فوق رقعة الودع – قصة قصيرة – أحمد جمال إبراهيم

0 271

#فوق_رقعة_الودع..

.

كان غسق الليل مطبقا، يلهو بوسط السماء قمر منير، يتوارب من بين الغيوم، مكتمل الوجه، يشع ضياؤه على قرية “الشيخ”، الصغيرة، التي لم يدخلها اختراع الكهرباء بعد.. عُرفت منازل “الشيخ” بهيكلها الطيني، وأساسها المرصوص من الطوب اللبن، وسطحها العاري؛ مقارنة بهياكل القرى المجاورة المشيدة بالطوب الاحمر والاسمنت.. احدى تلك المنازل حوت كيانا هزيلا، سيدة مسنة معمرة، مستلقية على سريرها الخشبي المرصع بجريد النخيل المجفف، فوق ملاءة مهترئة صبرت طويلا لتظل على هيأتها ولونها الزاهي حتى خارت أطرافها وخضعت لطول الزمان ويبست مثلما يبس جلد العجوز، نائمة، تصدر سيمفونية من الشخير الذي يشدو مع ألحان لصفير يُزفر مع كل شهيق تستنشقه مصحوبا بسعال مرير، عظام جسدها النحيل هجرته اللحوم دون رجعة، يكسوها ثوب أسود كما الجلباب، وغطاء رأس داكن تالف الاطراف، تتوارى في قماشة سميكة من الصوف تَحفظ جسدها برودة الليل والأجواء، مجعدة الوجه، به عينان منكسرتان أخفى الكِبَر حاجبيها، ومقلتان ذاتا لون باهت شفاف، رأس يتدلى من خلفه خصلات بيضاء غزيرة، انف مفلطح، فم واسع، وشمت بذقنها علامة خضراء قريبة في وصفها من مرساة سفينة، لها وجنتان بارزتان.. وهبها الله صبيان يافعان، يفرق الزمن بينهما بخمسة أعوام، وفي ليلة داجية رحل عنها زوجها وافترش التراب، كان ذلك عقب ولادتها الثانية بعشرة أعوام ليترك على عاتقها همُّ تربيتهما وحيدة..

استيقظت في الصباح بعدما ادركت الشمس سريرها، أطعمت طيورها، وشربت شايها، ثم أحضرت رقعة مصنوعة من طين صلب، تشبه في هيئتها صحنا غليظ الحواف، ونثرت فوق واجهتها حبات من الدقيق الابيض في شكل دائري حتى غطته تماما.. جلست على الارض، وانتظرت حتى عاد الولدان من الخارج.. الأكبر بينهما يناهز الخامسة والأربعين اما الاصغر فيناهز الأربعين.. دلفا عبر الردهة التي أمام باب المنزل الخشبي الكبير، وعندما أدركتهما قالت في خفوت:

– تعالوا.. اقعدوا..

جلس أمامها وهدان، الأكبر، وبمحاذاته صابر، الاصغر، ثم قال وهما يتبادلان النظرات:

– خير يا حاجة ؟!.. مالك فيه إيه ؟!..

سحبت شهيقا طويلا ثم زفرته مع كلماتها:

– الغريب جاني في المنام وقالي ارمي الودع عالرقعة لجل المستور يبان وكل واحد من عيالك يعرف قدره اللي مستنيه..

ثم تناولت سبع صَدفات بيضاوات، وأخذت تقلبهم في كفها كما النرد، ثم نفخت فيهم زفيرها، وألقت بهم على الرقعة، مشت بأناملها فوقهم للحظات، وراحت تنظر في وجه صابر الممتعض، ثم أردفت، بينما تتطلع بنظهرها نحو الرقعة، موجهة الحديث اليهما:

–  العود مايل.. راح يكسر زميله.. والشعر منه شاب.. هيوصل معاه لقراره ولا يسبشي حق رفيقه.. شايفة لواحد الخير بس الشر مكحل عيونه.. والتاني هيرضى بقسمته ويفرط في نصيبه.. شمسه زايغة.. ضيها يكسي جبال.. وعطر فايح هيخر لجله الجبان ويرميه في بحر دمه غرقان.. الجدع هيتكسر سنمه.. والمفتري هينحني ظهره..

توقفت لوهلة من الوقت ورفعت نظرها الى وهدان ذو الوجه المشدوه ثم استطردت عائدة الى الرقعة:

– شايفاه واقف على بابه مستني خلوته.. يتهجم على داره ويخلف من حرمته.. هتحطله السم في الشاي وهيشربه كيف العشطان.. هتسلب منه الجاه والمال والولد.. ويضيع في حوسته ولعوته.. يا ناكر يا ماكر.. يا خاين يا قاتل.. هتقابلك مصايب الدينا كلها.. وكرهك لصدرها مش هيشبعك.. هتجيلها باكي تمسح عارك في خلقاتها.. ووقتها..

اضطرب حالها فجأة، واتسعت عينيها صدمة، وتلعثمت، أمسكت احدى الأصداف السبعة وخبأتها في كفها، نفخت فيها ثلاثا، توترت أناملها وارتعشت فسقطت منها على الرقعة من دون قصد منها، جحظت في هلع ثم نظرت ببلاهة الى صابر، راحت تتحسسها مرارا بينما لا تغفل عينها عن صابر.. ثم تابعت:

– يا حي يا قيوم.. يا منان يا كريم.. رحمتك يا رب رحمتك.. الودع بيّن قدره وهو مش دريان..

لم يتمالك أعصابه فقاطعها وهو يزعّق:

– ايه الكلام اللي بتقوليه ده يا حاجة.. !!؟

قام صابر من مجلسه ثم استطرد ناظرا اليهما بوجهه الممتعض:

–  انا مفاضيش اسمع الحديت الفارغ ده.. مروّح لعيالي وراي مصالح أقضيها..

– صااابر!!!..

كانت صرختها قوية جدا لدرجة جعلتها تسعل بشدة، تنظر اليه بعين جاحظة غضبانة، وتجتاحها أنفاس سريعة، نظر اليها بطرف عينيه لثوان، دقت عصاه الأرض تاركة أثرا عميقا بالارضية الترابية الصلبة، أثرا ألهب قلبها، ثم ولى أدباره..

–  هدي حالك يا حاجة خليه يغور..

قالها وهدان مقتضبا بينما يشعل سيجارته المكسورة، رمقته في ذهول ودهشة في حين يجبر هو بخاطرها:

–  بقولك ايه.. ما تعمليلنا كدة كوبايتين شاي من يدك الحلوين دول.. ولا اقولك.. حقوم انا..

لا زالت تعلوها تلك الملامح الفزعة ووهدان يبتسم لها بينما يقوم من مجلسه، ثم اشاح بنظره بعيدا بعدما قصدت أقدامه المطبخ، شهق دخانا الى رئتيه، ثم زفرها، في حين خرجت من بين شفتيه تمتمة خفيضة مسح معها فوق شاربه بإصبعيه:

– ” ماشي يا صابر الكلب”!!..

*********************************

مرت خمسة أشهر.. لم يحادثها الغريب في أي من لياليها الموالية، لكنه كان يحضر ويقف أمامها باسما ولا ينبس ببنت شفة، لم تفهمه، كانت تفترش الارضية الترابية يوميا، تتفقد الصدفات بأناملها فوق الرقعة ولكن لا أخبار تدركها من ذلك الغريب..

كان ليل اليوم التالي هادئا في أجوائه، مستعصيا مع العجوز، يحاكي نسيمه وريقات الاشجار، بينما يتخلل ضوء القمر اغصانها فتنعكس ظلالها فوق الجسد النائم والمستلقي فوق السرير الخشبي، وقف أمامها وقد كدّست الدماء ثيابه، امسك احدى يديها، ومسحها بها فوق وجنتيه، ثم أخذ يستنشق رحيقها، شعرت به، فتحت عينيها رويدا رويدا حتى بدأت تستدرك ملامحه، ارتعدت حينما أدركت الدماء التي تعتليه.. صرخت واربت على صدرها:

–  وهدااااان؟!!!

–  ايوه يا حاجة وهد..وهدان ولدك!

–  ايه اللي حصل يا ولدي وايه اللي عليك ده؟!.. دمك ده يا وهدان!!؟

– ……………….

–  انطق!!.. دمك ولا دم مين!!؟

– يا حجة استهدي بالله الاول.. وخليني اخد نفسي.. انا تعبان ومجروح..

–  اتعاركت مع مين!؟..هاه؟!.. ووينه اخوك صابر!؟.. ليه سابك لوحدك!؟.. وكيف ما يسـ..

–  اتقتل!.. قتلت صابر يامّا!!.. قتلت اخوي!!..

– !!!!!!!

منفرجة العينين، لا تصدق ما تسمعه، وكاد قلبها يتوقف، ثم تابع وهدان سرد ما حدث:

–  كنت في داره عشية.. مع حرمته.. حبيبتي اللي سرقها مني.. كان بره لما دخل علينا.. متكلمش واصل.. قـ.. قالي اطلع بره.. وقفت اتصنت ورا بابه.. سمعتها لما قالتله اني كل وقت والتاني اتهجم عليها لما يكون في الغيط و..واني كنت بغصبها تعمل اللي أريده يا اما هاا..هاقتل العيال.. قالتله انهم عيالي مش عياله!!.. بس مقدرتش امسك نفسي اكتر لما سمعت ضرب النار.. كسرت الباب.. لقيتها ماسكة طبنجته في يدها و..وصابر أخوي مفرود عالارض.. صرخت لما شافتني.. قالتلي سامحني يا ولد عمي.. وطخت روحها بالنار.. جريت على اخوي لجل ألحقه.. لقيت قلبه لسه بيقاوم.. شلته فوق كتفي وهو غرقان في بحر دمه.. ورمحت بيه عالمشتشفى.. بس قالولي اني اتأخرت وانه ماات وقلبه وقف.. انا السبب يامّا.. انا السبب.. سامحيني يا حاجة.. ورحمة اخوي مكانش قصدي كل ده يحصل.. سامحيني يامّا أحب على يدك..

وبرز من خلفه ممسكا بسلاح وهدان، ثم غرسه في ظهره بقوة حتى تعالت شهقاته وابيضت عينيه بعدما امتلأتا بالدماء، فصرخت حتى تشققت أحبال حنجرتها:

– وهداااان!!!.. ولـ!!؟.. ولدييييييييييييييييي!!..

احتضنته لصدرها بشدة بينما تتمايل وتولول وتبكي، ونظرت أمامها فوجدته، ذلك الغريب، كان يضحك بشدة، ردد نحوها بكلمات لم يختفي صداها في مخيلتها، حتى استفاقت بالصباح التالي، فزعة من نومها، يتمالكها الهلع، وأخذت تردد تلك الكلمات بجنون، وامسكت بالرقعة الطينيه وهوت بها، هي وأصدافها، في نار متأججة أوقدتها، ثم هوت على الارضية، تولول وتلقي بالتراب فوق رأسها، بينما تنادي بصوت مبحوح ينوح:

– ” وهدااان راااااح.. الجدع رااااااح.. رااااح يا بووووي رااااااح “..

كان ذلك عندما دلف الى بيتها امرأتان، جاءوا ينظرون في أمرها، قالت احداهن للأخرى:

–  مالها الحاجة؟! ليه تصرخ!!؟

–  كل يوم على دا الحال من ساعة ما ماتوا عيالها الاتنين..بيقولوا بعد ما رمت الودع عالرقعة.. من خمس شهور.. جنت بعيد عنك.. كانت بتموت في ولدها وهدان الجدع لحد ما في يوم مخها طق وباظ ومعرفتش تفرق السكر من سم الفيران.. سممتله الشاي ومات قدام عنيها.. كانت فاكراه هو اللي قتل صابر اخوه زي ما قالها الغريب في المنام.. بس بيقولوا انها خبصت بالودع.. وبيقولوا انها شافت حالها بينهم.. بيني وبينك الموضوع دا فيه بسم الله الرحمن الرحيم اللهم احفظنا يعني..

–  جن!!؟

–  يا مُرّي.. اعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. لا نئزيكم ولا تؤزونا..انصرفوا.. انصرفوا.. بياجوا عالسيرة وجع في بطنك..

–  وكيف عرفتي كل دا عاد!؟.. مين اللي قالك ان فيه غريب بياجيها في المنام ؟!

–  حريم البلد.. كلهم خابرين ودايرين يحكوا في البيوت.. البلد دي متستخباش فيها دبة النملة بعيد عنك..ربنا يستر عليكي وعلينا..

ثم نظرتا اليها بينما تصرخ وتتباكى ” رااح الجدع راااح “، ثم تمتمت في خفوت..:

– لا حول ولا قوة الا بالله.. اللهم احفظنا يا رب..

.

#تمت..

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .