العشريني ذو الستين ربيعاً

0 489

شاب فى مقتبل العمر , مثله كمثل كثير من أقرانه ممن هم في مثل سنه , يحلم بالحياة و يتوق شوقاً للحرية , يكره الاستعباد و كل ما يؤول إليه , ودائماً ما يحنو على الجميع و يتمنى لهم الخير , رقيق المشاعر يمكن أن ينفجر باكياً لرؤية إحدى قطط الشوارع الضالة تدهسها سيارة , و تلحقه مرارة و غصّة إذا رأى أحدهم يلقي بوالديه أو أحدهما فى دار رعاية المسنين , و ينفطر قلبه لسماع خبر الموت.
لم يكن يعلم أن كل هذا يمكنه أن يذهب أدراج الرياح هباءاً منثوراً بغير رجعة .
شاب مثله بعد أن رأى فى هذه البلدة من الأهوال ما رأى , وبعد أن فاحت رائحة الموت في كل شبر في أراضينا , و بعد أن بات الجميع يترقبون مصرعهم غير مكترثين أي مصير ينتظرهم و بأي طريقة سيلقون حتفهم ..فما الذي يجدر به فعله؟؟!!
حضر جنازات كثير من رفاقه و تسلل الموت بينهم يخطفهم واحداً تلو الآخر , خطف الموت جسدهم أمامه وبعضهم كانوا بين أحضانه يستميت في إنقاذهم منه بلا جدوى و من ثَمّ يشاهدهم بأم عينه يُلفّون بذلك الثوب الأبيض المخيف و يغطي التراب وجوههم تاركين إياه فى غياهب القهر و الحسرة .. فما الذي يُنتظر منه بعد كل هذا ؟!
عشريني في عمره و لكن ملامحه يشوبها الكثير من الكِبَر ونفسه تحمل في طياتها من الهموم ما يجدربأن يحمله عجوز مُتَهَدِّم أهلكته الحياة .. أو ربما أهلكها هو ! باتت بعض الشعيرات البيضاء تطل من تلك الخصلات الليلية القابعة فوق رأسه و ظهرت بعض التجاعيد فى وجهه لتعلن للجميع أن أجمل أيام العمر أصبحت أكذوبة مزعومة و أنه لا فرق إذاً بين العقد الثانى و العقد السادس من العمر .. أصبحت كلها شكليات باهتة مزيفة تُسجل على أوراق الجهات الحكومية ليس إلّا. لقد هرمنا و اشتعل الرأس شيباً و نُزعت منا المشاعر و تهاوت إنسانيتنا إلى مثواها الأخير. لم نعد نهاب الموت و لا رائحة الدماء , لم تعد تنفطر تلك المضغة العالقة بين جنبات صدورنا لرؤية رضيع يبكي و لا لرؤية أشلاء الموتى المتناثرة هنا و هناك ….
لقد سلبونا الإحساس يا عزيزي.. أخذونا على غرّة و بغير سابق إنذار و انهالوا علينا سلباً لمشاعرنا و إنسانيتنا علناً وفي وضوح النهار و على مرأى و مسمع من الجميع .. ثم يأتى أحدهم و يستنكر عليك اكتئاباتك المتتالية , يستنكر حزنك المتوراي خلف مقلتيك و يعتبرك الجاني المصاب بالطيش و الخطل , يصنفك كمجرم يريد أن يهلك تلك الأمة العريقة ذات السبعة آلاف حضارة !! أي أمة هذه و أي حضارة تلك التي يتشدقون بها آناء الليل و أطراف النهار !! أمة أضحى الظلم حليفها و أصبح الموت يبيت في كل ركن من أركانها ثم يطل علينا هؤلاء العواجيز المتهاونون و يتساءلون عن دوافع إنتحار بعضنا و اكتئاب البعض الآخر بل وأحياناً لا يتورعون عن السبّ و توجيه الإتهامات لهذا الجيل المختل الذي يبحث عن الحرية المزيفة و يتمسك بخيوط واهية لا أساس لها من الصحة. يا لسخرية القدر !! لا عليكم منّا .. لن نرضى نحن أبداً بحياة الذل التي عشتموها أنتم و آباؤكم الأولون .
و ها أنتم قد أخذتم من الحياة ما أخذتم , وعشتم فيها ما عشتم وما يكفيكم , فاتركونا لحياتنا و دعوا لنا مطلق الحرية فى اختيار طريقة العيش في تلك الحياة البائسة.

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .