مالك المفتاح – قصة قصيرة – لـ محمد نبيل

0 236

مالك المفتاح

نبش بقدمه الأرض هرولة ، تسيل من رقبته عيون دم ، يعوى عواء جعل دواب الأرض تتهيج مع زفراته الأخيرة ، قتل أخاه و انتظر ترنحه و سقوطه .. و موته

(ممدوح) موظف بشركة خاصة ،

(سامي) يعمل هو الأخر بشركة خاصة ،

اعتاد الأخوان بأيام الجمعة الجلوس سويا علي سور البحر – الترعة –

.. يحكي كلاً منهما ما جري للأخر ، يصنعان الحكايات القاسية سخرية ، و يتجرعان متاعب بعضهم البعض لعلها ترياق ، و يحدثوا الشوارع المنبطحة للبشر ما فعل البشر بهم ، يقلبان المياه المموجة بحثاً عن الجنية ، جدتهم قالت لهم وهم بعمر الشمس إذا طلعت علي الأرض : إن الجنية العجيبة ذات الأمعاء الشفافة … وعيناها تسهب كل العيون .. عين مشقوقة من أعلي لأسفل .. تزوجت شيخ البلد .. حتى قتله و هربت إلي البحر ثانية . و ما إن يضحكان علي ما سلف من غضاضة خيالهم الصغير … و علي أوراق الشجرة الملتفة حول عامود إنارة ذات لون أرجواني .. يقال أن الجنية تصعد كل سنة و تضع أوراق الشجرة بنفسها ، و أنها تصنعها من دماء من تزوجتهم ! مجرد حكاية .

جلس ممدوح مع سامي وهو غارق بالتفكير ، زوجة حسناء تدفئ له جسده
– روحت فين يا ممدوح
لم يرد ، مازال في الأعماق
– مساء الفل علي الناس السرحانة
مازال صامتاً
– رد يا أخي ، أو أقول لك … أنت هتيجي معايا عشان أخطب الأسبوع دا ، أه صحيح قولت لعمنا و وافق ، بس انت عارف !
– عارف ايه ؟
– عارف أنك اخويا الكبير لازم أرجع ليك في كل حاجة ، أبونا و أمنا ماتوا من زمان و انت عزوتي ، البت وافقت و كمان أبوها
أبتسم : مين اللي أمها داعيها عليها بقي ؟
ضحك سامى : يا راجل يا بركة دي أمها داعيها ليها و حياتك ، فاطمة بنت فؤاد المشد
هنا .. أطبق ممدوح فمه و عيناه من الداخل .. انغلاق كامل … و ضحكات ليس هو المسئول عنها ، و عندما رحل بعدما أتفق مع أخاه علي الذهاب للخطبة و كتب الكتاب ، صار يطوف بأفكاره أليست من أحبها سراً وصرحت له بحبها .. لما وافقت إذن ؟! ” نساء بلادنا يضعون الأحلام كلها بعد الزواج … و كأنهم أكثر ابتعادا عن أنفسهم إن أحبوا ، فلا يقدرون علي الحب”
قالها في سره.

تملكه الشك كلما أختلس النظرة لفاطمة ، وفي حركة دائمة يرفع يداه و يخفضها ، بما انه في خضم وساس فلا نلومه .. وهو ذاهب إلي منزل أخاه .. وهو يرتكز في جلسته علي الجلباب الأسود المتجسد بفاطمة ، زينة ترتفع و تنخفض و نظراته كسهام تعبر من وراء ظهر أخيه ، تردد صوت يقلده تارة و يقلد صوتها تارة : فاطمة … فاطمة ، أنت … أنت بعدها ترجل ذاهباً لسور البحر ، قلبه تنقر مشهد فاطمة وهي تقدم الشاي ، وهي تجلس ، و هي تبتعد ، و هي تلملم بقايا الغذاء ، يسرع حتى وقف بجوار الشجرة .. وقف أخذ ورقة منها
– عاوز العمل احطه فين يا سامي يا ابن رقية
– أبعد مكان ممكن يكون موجود
– بس أفتكر انت اللي هتشاور علي المكان دا
– ماشي ، بس قولي ، هو هيقدر يأكل عادي و ينام و يشرب ؟!
– دا عمل بوقف الحال لا يتحرك و لا يتكلم و لا يمشي ، أنت هتكون ملزم بيه ، ملكوته في المكان اللي هتشاور عليه ، روحه محبوسة و أنت مالك المفتاح . و أخذه علي التل القديم ، و أمره أن ينظر بالإشارة للنجم المشقوق ، أخرج المشعوذ الورقة الأرجوانية الملفوفة … تمتم و حرق الورقة تم له الأمر … تزوجها و أخاه بات مشلول الروح.

تمددت فاطمة بجواره و كأنها تمددت أول مرة من عشرين عام ، لتمس جسده الغض و مازال غضا .. و تداعب فيه ما داعبت قديماً لكنه نهض تلك المرة ، نظر لآخاه الجالس بالشقة المجاورة في البيت و معه هو المفتاح الوحيد لها ، و قد كان يفكر .. كان قد قرر سار إلي التل .. و الطير يلف في أرجاءه ، ثم أشار للنجم و جاءه الهاتف يدوى في رأسه ، كأن صياح الناس قد أرتفع هناك عند بيته ، أقترب الصياح و زاد الدوى ، رأى القدر .. رأى أخاه

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .