حمامة بيضاء تلمع – قصة قصيرة – لـ أحمد جمال إبراهيم

8 464

ليلة كالحة؛ إذ وقع قدرُ الخليل مفجعًا، ارتعدت القلوب، وتشتتت الأذهان، وجرينا نحو بيته، نسأل الله السلامة، وأفواهنا من هول المنظر تكبِّر وتوحِّد الجبار..
في المشفى، كانت مستلقية في العناية، أمها بجانب مفرشها تبكي وتتحسر، وجئنا ثلاثة زوار من الحي الجانبي لحي الخليل، واستفسرنا عن حالها، التي ما كانت تبدو مطمئنة على الإطلاق، بل إن هيئة الفتاة اختلطت علينا وصرنا نتساءل ما إذا كنا قد أخطأنا الغرفة، لكن أمها قطعت الشك باليقين، وعرفناها من صوت عوائها:
– يا رب.. بنتي يا رب.
– كيف حالك يا أم هالة؟
– الحال؟! هذا هو الحال!! اللهم خذ بالحال..
– احتسبي ووحِّدي الله، إننا لندعوه أن يكتب لها الشفاء ويعيدها أجمل من السابق..
– أجمل؟! والله في سمائه إنها لن تعود.. يا رب سلِّم.. يا رب سلِّم..
النهار، في حضرة الجمال الأخَّاذ، أشرقت فيه شمس حنون، فاح لها عبير أزهار حلوة الشم، من بيت الخليل، تشبه في ألوانها ثوب هالة، ولها من براءة الطلة ما يماثل طفولة هالة، وارتوت صدورنا بمحبة الخليل لهالة، الذي نسمعه يتغنَّى في حسنها وجمالها كلما مررنا على مقربة من بيته، أو زرعه، أو في المقهى الذي نذهب إليه عن قصد لنستمع إلى حكاياته عنها، فأحببناها، وقلوبنا صارت تحسده على هذه النعمة، وتهافتنا حوله، نتقرب إليه بجميل الكلام، نمازحه ونحايله أن يعرِّفنا إليها، أو نحجزها زوجة لمن هو في طور سنها من أبناء عائلاتنا، ولكنه في كل مرة يأبى الكلام والمزاح، في كل مرة يقول إنه لن يتخلى عنها أبدًا، وإنه لن يزوِّجها لأحد أبدًا، بل طال الأمر عنده حدود المزاح، وقفز منه إلى مرحلة العناد، فأقسم بالذي رفع السماء بلا عمد، وبسط الأرض بلا وتد، ووقف يزمجر بجهارة صوته أمام الجميع، أنه لن تراها العيون، ولن تسمعها الآذان، ولن تحادثها الأفواه، ما دام حيًّا يُرزق، وأجفل من مقعده غضبانَ مشتعلًا، يسبُّنا ويشتمنا ويقلل من قدر عقولنا وشأن عائلاتنا، فكرهناه، وبغضناه، ودعونا الله أن يجزيه على ما بدر منه تجاهنا، لكننا، أبدًا، لم نكره هالة..
«يا قمر.. يا جميل.. يا حلو..
من أنت جنب هالة بنتي؟!
هالة البدر المنير..
هالة النجم الساطع في الليل..
يا روح خليل.. يا قلب خليل».
بعد الفاجعة، صرنا نقصد بيت الخليل بعد منتصف الليل كل فترة، نتلصَّص عليه من خلف باب داره، واستغربنا حين سمعناه في مرة يتغزل فيها ويداعبها بتلك الكلمات، صوته من الأسى مثل ناي حزين، يتسرب أنين صوته إلى مسامعنا فنشفق عليه.. ما عُدنا نكلمه، أو نتمازح معه، أو نجلس حوله، يأتي إلى المقهى لا يشرب شيئًا؛ بل ينظر في وجوهنا ويحدق فيها طويلًا، في عينيه حمرة الدمع، تحت جفنيه سواد الهمِّ، في أنامله رعشة، تذبذب دخان سجائره، لا ينفث في كل واحدة يشعلها سوى مرة أو مرتين، شارد وهائم وغائب عن الوعي، جسده صار هزيلًا، لا يقوى على المشي من دون عكاز، يتمتم بكلام متكرر، يشبه تلك الكلمات التي نسمعها منه في منتصف الليل، فأشفقنا عليه، ودعونا الله أن يكون في عونه، وأن يخفف عنه مصيبته..
يوم وقوع الفاجعة، عاد الخليل من المقهى ليلًا، كانت هالة نائمة في فراشها، هادئة مثل قطة، متكوِّرة في نفسها، طبع قبلة على جبينها، فتهللت بسمة على شفتيها، وراح إلى المطبخ وأخرج أنبوب الغاز.. سرح ذهنه إلى كلام الناس في المقهى، وظل يفكر فيهم، إلى أن تسربت إلى مسامعه ضحكات هالة في نومها، ففزع إلى سريرها، وسألها:
– ما بكِ يا قمر؟!
– رأيت في حلمي حمامة بيضاء تلمع يا أبي.. لقد أحببت تلك الحمامة كثيرًا..
– مثل الحمامة التي عندنا يا حبيبتي؟
– لا يا أبي.. هذه الحمامة مختلفة.. إنها تلمع وتبرق.. تناديني لألعب معها..
– طيب يا حبيبتي.. اذهبي والعبي معها.. تصبحين على خير..
– ألن تأتي لتلعب معنا؟!
– سنلعب في وقت لاحق.. هيا نامي..
ما قالته هالة أثار في عقله التدبر، والخليل حين يفكر يدخِّن، فأخرج من جيبه علبة السجائر ووضع واحدة في فمه، وحكّ الكبريت المشتعل، فتولدت شرارة، ثم اشتعل كل شيء في لحظة مع دوي انفجار هائل..
بالمشفى جلسنا قليلًا لنطمئن على حال هالة، كانت صاحية، تئن وتتوجع، صوتها مختنق، ووجهها لا نتبين ملامحه، يغطي أغلبه شاش أبيض يُخفي الحرائق التي أصابتها، وأمها ممسكة بالمصحف تقرأ القرآن وتدعو الله أن يخفف عن ابنتها، فسألناها:
– يا أم هالة.. أين كنتِ وقت الفاجعة؟
– كنت في الحوش، أحلب البقرة؛ لتشرب هالة حليبها كالعادة، وطلبت من أبيها أن يفرغ الأنبوب الذي يتسرب منه الغاز؛ لنستبدل به واحدًا جديدًا ممتلئًا في اليوم التالي..
– وبعدُ.. ما الذي حدث؟
– كان أبوها يسند قاعدة الأنبوب المغمور في حوض الماء بقدمه كي لا ينقلب ويتفرغ غازه في الهواء، إلا أنه حين سمع صوتها ترك الأنبوب وذهب إليها بسرعة، وعاد بعدها عقله شارد، لم ينتبه إلى فوهة الأنبوب التي خرجت من الماء للعراء.. ولمحته يخرج علبة السجائر، فهتفت إليه ليتوخى الحذر لكنه لم ينتبه إلي..
– وبعدُ؟
– فجأة كأن قنبلة انفجرت في البيت، أضرمت النار في حوائطه، في ملابسنا وفي أثاثنا، في الجريد الذي يغطي سقف غرفة هالة أيضًا، وتركت الإناء الذي أحلب فيه من أثر الفزعة، وصرت أسكب منه على الشعلة التي مسكت في ثوبي، والنار أحاطتني من كل جانب، البقرة أيضًا أخذت تنعر من شدة الألم، ووجدتني أقفز من فوق الحائط إلى خارج البيت..
– طيب وهالة؟ والخليل؟
– الخليل جرى بدلوِ الماء إلى غرفة هالة، التي سقط فوقها الجريد المتأجج، وصار يرمي الماء فوق النار التي غطت جسدها حتى أطفأها ثم حملها معه إلى الخارج بأعجوبة، لكن العجيب حقا أن النار لم تُصِبه بأذى..
وقتها كانت هالة تراقب حديثنا وعيناها في مدخل الباب، أصدرت أنينًا مع ضحكات مكتومة، فسألتها أمها وقد وضعت أذنها على مقربة من فمها لتسمعها:
– ما لك يا حبة قلبي؟
– الحمامة البيضاء!
وبحثت أمها في مدخل الباب فلم تدرك أي شيء وعادت تسألها:
– أين يا أمي؟ أين هذه الحمامة؟
وتحشرج صوتها فسمعناها بوضوح:
– هناك يا أمي.. في مدخل الغرفة.. جاءت لنلعب معًا.. حمامة بيضاء ترفرف بجناحيها.. أبي قال سيلعب معنا لاحقًا..
لم تمر الليلة حتى ذيع نبأ الوفاة. خطونا من كل فج، متجهين لبيت الخليل، وقت أن وصلنا كانت حناجر الناس تندد بتصرف الخليل؛ إذ كيف لعقله الخرب أن يغفل عن شيء كهذا، وهدأت الألسنة حالما لاح نعش الطفلة من خلف الباب، يحمله أربعة أشخاص، ليس الخليل من بينهم..
أمام مرأى عيني الخليل تخطو، محمولة على أيادٍ مرتعشة وأعين باكية، لوهلة تردد صوتها في أذنه:
«رأيت حمامة بيضاء تلمع يا أبي».
وخرَّ الخليل جاثيًا، عيناه، على الرغم من الليلة الكالحة، رأيناهما محمرتين، قد شاب بعض شعر رأسه، وعجز لسانه عن النطق بأي كلام.. حملناه، واستند جسده الهزيل على أكتافنا، ومشى معنا في جنازة مهيبة لم تترك كبيرًا ولا صغيرًا في القرية إلا قد حضرها.
وُضع جسد هالة، الملفوف في الكفن الأبيض، بجانب قبرها. النور المنبلج من القمر بدا أكثر إشعاعًا من ذي قبل، وانعكس على الكفن فضاء وميض قماشه، ما جعل الهمهمة تنداح بين الناس، تهلل ببشائر الروح المقبوضة. اما الخليل فكان يجلس وحيدًا في ركن قريب من الدفنة، حيث عيناه لا تفارقان القمر المنير، وقد بدت له – بين الناس عند القبر – ضحكات هالة تموج في مسامعه، وتناديه إليها، مرتدية فستانًا أبيض اللون، ينفرد من خلف ظهرها جناحان صغيران، واعتلت الدهشة قسمات وجهه لحظة تحليقها نحو الأعلى.. كان ضوء القمر على جسدها ينعكس لامعًا، ما جعل قدميه تجريان في فناء الجبَّانة، يهتف إليها يرجوها الرجوع، والأعين كلها صارت تتساءل في ذهول، وتتأسف في شفقة.
.
تمت.

8 تعليقات
  1. Mohamed Saad يقول

    قصة رائعه يا احمد
    بالتوفيق ان شاء الله

    1. أحمد جمال إبراهيم يقول

      أشكرك يا محمد 🙂
      لي ولك كل التوفيق ان شاء الله 🙂

  2. اسماء يقول

    حلوة اوى القصة ?

    1. أحمد جمال إبراهيم يقول

      يسعدني انها نالت اعجابك يا اسماء 🙂

  3. ahmed tahoon (@ahmedtahoon011) يقول

    مبدع ومن نجاح ال نجاح ان شاء الله

    1. أحمد جمال إبراهيم يقول

      تسلم يا صديقي 🙂

  4. رواء أحمد عبد العال يقول

    رائع جدا ، سلمت أناملك . اسلوب ، سرد ، تشويق ، عنوان ، متعة ، نهاية جميلة رغم كونها متوقعه . موفق دائما

    1. أحمد جمال إبراهيم يقول

      شكرا جزيلا لك أ.رواء يسعدني انها نالت اعجالب 🙂

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .