تغريدة غائبة – قصة قصيرة – لـ أحمد جمال إبراهيم

4 995

كانت قلوبنا تنبض قلقا، بعد إذ انقطعت أخبار أخينا لما يقرب الشهرين، فمنذ وقت رحيله عنا، ما عاد يأتينا ساعي البريد برسائله المطمئنة. سألنا جيراننا ما ان كان أخاهم – و هو يخدم مع أخي في ذات السرية بالجبهة – لم يزل يبعث اليهم برسائله منذ تلك الفترة، غير إن إجاباتهم، دوما ما بدت متهربة ومبهمة، إلا من ملامح الحسرة؛ لا تغادر وجوههم. ظللنا ننتظر، جالسين، أيام عديدة أخرى..

اليوم أشرقت الشمس هادئة، والعصافير، على شجرة بيتنا، شقشقت عاليا، على غير العادة، مما جعلني أستيقظ مبكرا قبل الجميع، فعادة ما تغرد العصافير كلما أتتنا رسائل أخي المطمئنة، هرعت من نافذة غرفتي، و عدوت السلالم بسرعة، ثم فتحت الباب و خرجت ركضا نحو صندوق بريدنا. تعجبت لأمر الطيور، التي طارت فزعة، نحو الأفق المشرق. هنا، طار قلبي من فرط السعادة، حينما لاح اسم أخي على الطرد المبعوث..

اجتمعنا في غرفة المعيشة، للاستماع اليّ، بينما أتلو رسالة أخي كما هي العادة، عجبنا لأمر جيراننا، إذ اعتذروا عن القدوم لسماع الرسالة، التي علّها تحمل أخبارا عن أخيهم الغائب. فتحت المظروف، وأخذت أقرأ بصوت جهوري:

” السلام عليكم أهلي واخوتي،
أرجو من الله ان تكونوا بعافية كاملة، فأنكم لا تعرفون، كم تتوق عيناي لرؤيتكم، وكم يحرقني الشوق الى أحضانكم الدافئة، والحديث معكم، كسابق الأيام، ولكنكم تعلمون أنني يجب أن أحمل اسم هذا الوطن في كف يدي، رافعاً علم نصره، مشددا على سلاحي، ربما قُدِّر لي أن أكون في خضم حربنا هذه، وان أعيش حتى اللحظة، لأكتب لكم بعض أخبارها وأخباري.. ”

وتجولت عيناي بين وجوه الجالسين، أمي تدمع في صمت، بعينين مغمضتين، أختي المحملقة في الارض، بينما تسند رأسها فوق يدها في ثبات، أخي الأكبر شارد الذهن، محدقاً في العصافير الهاربة من أعلى الشجرة ، بدأت أتلعثم من الخوف، وقدماي ما عادت تتحمل الوقوف ، فجلست، ثم تابعت القراءة بصوت هادئ:

” .. أمي، اخوتي، انني الان هنا، في خندق معركتنا، اكتب اليكم ما يجول في خاطري، افضفض لكم لحظاتي، ارتجف خوفا، و ارتعد فزعا، قلبي يتضارب ضربا، عيناي تستطلع كل شيء، السماء هنا مزدحمة بالدخان الاسود، مات منا جنود كثر، ولكننا أقرب من عدونا، الي مشارف النصر، يؤسفني نقل خبر موت ( إبراهيم )، أخو جيراننا اليكم، إذ أصابه الرصاص إبان دفاعه عني، لا أعرف كم أنا مدين له. أقبع ها هنا، منتظراً ، دوران حربنا مرة أخرى، لو كتب لي عمرا آخر.. الجو بارد جدا ليلاً، لا يوجد ما يدفئنا، الاموات هنا أكثر منا دفئا، اكثر طمأنينة، اكثر راحة، أمي – انتفضت هي صارخة بحسرة – لا تنسني في دعاء صلواتك، فلو مت في هذه الحرب، أكون شهيدا، لا تحزني، ولا تبكي رحيلي، فقد يؤلمني حزنك في حال مماتي، تعرفين كم أحبك، ، يوما ما سأسعد لرؤيتك، سنكون معا من جديد، أمي.. خلدي ذكراي، وأخبري ( ورد ) إني في انتظارها، وأنني أحبها كثيرا، وأن صورتها لا تفارق قلبي و لم تشوبها شظايا الحرب.. إخوتي، لا أنسى أيام الصبا معا، حينما كنا نلعب تحت شجرتنا، ونغرد مع العصافير، بالحق؛ كيف حالها الان، ألا تزال تشقشق كل صباح مع طلوع الشمس؟ بالله يا أخي، أرسل لهم سلامي، لا تدعها ترحل دون وداعي، وان رحلت؛ لا فلا تحزن ، غدا نعود معا من الافق المشرق، حاملين لكم بشائر عودتي المحمودة من حربنا الفائزة.. أدعو الله لكم بالسعادة، وادعو الله لي بالتوفيق والنصر.. وسلام عليكم، مع باقات وردي وكل امتناني ”
وسقطت الرسالة من يدي على الارض…

تمت.

4 تعليقات
  1. رواء أحمد عبد العال يقول

    جميل جدا ، بالتوفيق .

    1. أحمد جمال إبراهيم يقول

      شكرا لك 🙂

  2. حسناء الزغيبي يقول

    احسنت بالتوفيق

    1. أحمد جمال إبراهيم يقول

      شكرا لك 🙂

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .