نكهة هندية – نكهات صوفيا – سلسلة قصصية – صفاء حسين العجماوى

0 395

نكهة هندية
 أثناء غفوتى بين ذراعى مربيتى و وصيفتى ماريا الدموية ,راودتنى رؤيا عجيبة ,فقد رأيتنى أسير بين حياتي الراقصات حولي فى الطرقات الترابية لتلك البلدة الهندية ،متشحة بسارى أسود من صنع جنياتي الحائكات ،يضئ كألف نجم يسرق أبصار الفانين المختلسي النظر بين الرؤوس المنكسة ،يزين رقبتى عقدا مرصع بألماس من قلب الجحيم تشرق كشمس دافئة .تقترب الفتيات منكسات روؤسهن مرتجفات ،يبغين بركاتي ،و زعفرانة من صنع حياتي على جبينهن تشع جمالا ليخطفن أبصار الشباب .أقتربت فتاة جسورة تبلغ العشر تحادثني ،قالت من بين شعرها المتناثر على جبهتها : ” أى حكيمتنا الجميلة صفاندينا الباهرة ،أريد أن تسقيني من حكمتك و قوة شخصيتك و جمالك ،لأكن وصيفتك و أجمل فتيات الهند “
فتبسمت من جسارتها و بيانها ،فأشرت الى حياتي أن أحضرنها الي لتكن من ضمنهن و تصبح مثلهن ،وسط حسد بقية الفتيات الموسومات بالزعفران.
فقت من غفوتى ,وقد تملك مني الملل من روتين الجحيم ،فقررت أنا صوفيا الجحيم المدللة أن أقضى أجازتى الشتوية بين الفانين ،و فى أحدى أكثر بلاده عجبا .أخبرت أبى العزيز الكونت دراكولا و أخى الغالى فوافقا على ذهابى ،فودعت ملكات الجحيم .و أخترت لى أسما يتناسب مع تلك البلاد و هو صفاندينا ،و غيرت من هيئتى و رحلت الى الهند .
     غادة حسناء بعيون المها تزينت ،رشيقة القوام ،سوداء الشعر ينسدل بنعومة على كتفيها ،و ببسمة تعتلى ثغرها دائما أصبحت ،و أطلقت على نفسي صفاندينا و أرتديت الزى الهندى التقليدى المسمى بالسارى ،و تزينت بزعفرانة بين حاجبى ،و نزلت الى قرية نائية فى اطراف الهند ،كنت أتوقع أجازة مرحة تجدد لى نشاطى الذى فتر من الروتين اليومى فى مملكتنا ،و لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
     كعادتي قبل أن أقضى بعض الوقت مع الفانين أجعل لى تاريخ بينهم كأنى أحيا بينهم منذ وجدوا على وجه الأرض ،و لذلك جعلت صفاندينا فتاة ريفية تقليدية تعمل بالزراعة يتيمة الوالدين ،تعيش مع جدتها العجوز .تساعد جميع أهل القرية و لذلك يحبونها و يودونها و يعتمدون عليها .و لكن إذا بى أجدنى كرفعت أسماعيل تركض المصائب خلفى لتلحق بمن حولى و كأنى مغناطيس يجذبها. فقد هبط على تلك القرية المسالمة كارثة لا قبل لهم بها . كم أفتقد ذاك الفانى رفعت اسماعيل الذى مات و تركنى لحماية البشر وحدى.
     كانت تلك القرية الهندية على موعد مع كارثة مزدوجة فقد هبط الى أرضها محملا بلعنة جحيمية أمير الظلام ,و بصحبته أسوء لعنات الجحيم ممثل السماجة الرقيعة المدعو ساهمندر .كان هذا فوق أحتمالى فقد قدمت الى تلك القرية فى أجازة لا أن أحمى قرية من غزو قادم من جانب النجوم ،لذلك فقد تحتم على اللجوء الى بديل رفعت .أخذت أذرع غرفتى ذهابا و إيابا لعلى أهتدى لمن يقع عليه أختيارى ،فقد كان أبطال رويات مصرية للجيب كثر ،هل أختار من أبطال العراب أم الدكتور نبيل فاروق أم غيرهما؟.كدت أجن من التفكير فيجب أن أختار منهم بطل و أدمغه بالزعفران و ألبسه العمامة و أصبغه بالنكهة الهندية الريفية للأبطال الخارقين .طال بى الوقت و أنا ككيونة لا أريد استبدال رفعت ,و لكن كيف و هو ميت ؟، كما أنه لو صبغ بالهندية لأصبح سحلية هندية مجففة ،ظننت ذلك واضحا .ما أن سطع كوكبى الأثير الزهرة حتى وقع اختيارى عليه بطل خارق يكفيه لباس هندى ليناسب الأحداث ,فهو لى دائما مثلهم ,الا و هو أدهم صبرى ،لقد أطلت له لحيته و شاربه و ألبسته زى مزارع هندى فقير و جعلته جار لصفاندينا ,و أسميته راج ،لتبدأ مغامرتنا فى تلك القرية المتربة.
    توسط البدر كبد السماء و على بعد خطوات منه سطع كوكبى الاثير فينوس .جلست فى هيئة صفاندينا مرتدية سارى اصفر اللون و قد ربطت شعرى الاسود الفاحم .أخذ النسيم يداعب بعض خصلاته المتمردة ,فإذا بصوت عذب يغني باسمى ,فألتفت اليه ,فإذا به راج ,و من فى قريتنا لا يعرفه أنه أوسم شباب القرية ذو بشرة سمراء نقية ,أسود العينين ,عضلاته بارزة ,يشعرك أنه أحد أبطال الاساطير الاغريقية .و من لا يعرف راج ,فكما كان أدهم صبرى فتى أحلام جميع الفتيات ,و بطلات سلسلته ,فقد كان معبود فتيات القرية ,و كن يحقدن على لأنه أختارنى أنا ,و لم يعر اى منهم أدنى اهتمام .كان صوته عذبا دافئا جعل أوراق الاشجار ترقص طربا مما حدا بى أن اشاركه الغناء.لقد تحققت أمنياتى فى تلك الاجازة ,فقد ذهبت خصيصا للهند للتمتع بالغناء و الرقص ,و وجدته فى راج .يا لها من متعة ,و لكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن ,فقد سمع صوتي أمير الظلام الذى التمعت عيناه خبثا و أمر تابعه شاهمندر بالذهاب الى تلك القرية ليتأكد من أنى هناك ,و كانت هذه هى نهاية عطلتى ,فقد أبى الجحيم أن أترك ارضه فأرسل لى أشرس مخلوقاته ليحول مشاكل أهل القرية من الاهتمام بالزراعة ,و قضاء حاجات أهلها ,و محاولاتهم لفصل صفاندينا و راج ,لمواجهة سفراء الجحيم .
من هو شاهمندر ؟ من فى أرض الجحيم لا يعرفه ،أنه ذلك الكائن الرخو اللزج المثير للغثيان ،مدعى الرومانسية و هو أبعد ما يكون عنها ،فهو يشبه تيراصور ركس الذى يحاول أن يتظاهر بأنه طاووس فيصبح فلسبيارتور لاحم .هل لكم أن تقدروا مدى معاناتى عندما أجده يخرب أجازتى بقدومه مع أمير الظلام ؟
      فى صبيحة اليوم التالى أستيقظت باكرا قبلت جبين جدتى و ذهبت لمورد الماء لأملئ جرارنا و بالطبع رافقنى راج ليحمل عنى الجرار .هبط شاهمندر الى قريتنا و أخذ يغازل فتيات البلدة المنطلقات للحقول لبدأ العمل ,كان سمجا كعادته يظن نفسه فارس تهفوا له الفتيات و لكنه و يا للاسف كان يشبه الضبع الذى يخشى من الموت .كانت الفتيات تفر منه كأنه الجزام و هو يظنهم خجلات و فى الحقيقة نافرات ،حتى غازل برفاتى أشرس فتيات البلدة و التى لم تتحمل وقاحته و لزوجته فقامت بصفعه بقوة رجت كيانه ،كانت تظن أنه سيهرب او يغضب لكنه أبتسم بصفاقة ،فأخذت تخاطب نفسها قائلة :” يا لحظى العاثر يغازلنى غوريلا غبية و تحصل صفاندينا على راج”
فسألها بغباء :” من صفاندينا ؟ و كيف هى ؟”
فكرت بارفاتى للحظة ,ثم التمع الخبث بعينها ,و قالت :” هى عند نبع الماء تملأ جرارها قبل أن تلحقنا الى الحقل “
تركها شاهمندر مسرعا ليلحق بى أنا و راج فى طريق عودتنا .
     كان أكثر الاشياء التى ارتكبها أمير الظلام حماقة هى أرساله هذا الشاهمندر فقد كانت لزوجته تنفر الجميع حتى أن الفانين كانت لهم القدرة على صفعه دون أن يهتز لهم جفن ,و دون أن يؤثر ذلك فيه ,فدائما ما يعتلى وجهه ابتسامة لزجة تثير اصبع قدمى الكبير لأن يركله ,و أنا أتفاوض معه ليتركه فهو لا يستحق عناء الإهتمام به ,طبعا أتفاوض مع أصبعى ظننت ذلك واضحا.
     ما أن لاقانا شاهمندر حتى تجاهل وجود راج الذى كان يحمل الجرار بدلا منى ,و أخذ يغازلنى بسامجته المعهودة ,فى البداية تظاهرت بالتجاهل لكن يا ويلى حفزه ذلك الاستفاضة فى وقاحته ,فما كان من راج الا أن قام بإنزال الجرار بهدوء ,ثم ركله فى وجهه ليسقط شاهمندر أرضا ,و وضع قدمه فى منتصف بطنه ,و اخذ يضغط بقوة ,و بالقدم الآخرى يركل وجهه ,ثم يبدل بين قدميه فى إيقاع راقص ,و هو يغنى باسمى باستمتاع ,ثم أخذ جرار الماء ليرقص بها تبادليا مع حركة قدمية الإيقاعية ,و أنا أغنى معه بعذوبة .أجتمع أهل القرية على غنائنا ,ثم بدؤا فى الرقص ,و هيتيانا تاكلها الغيرة فأخذت تمزق ساريها بأسنانها و هى تتوعدنى ,كانت الدماء تغرق وجه و بطن شاهمندر و كلما زاد تدفقها كلما زاد جنون هيتيانا و بارفاتى ,و أنسحب كلاهما .أنتهى راج من أغنيته ثم قفز للأرض و قبل يدى ,ثم ألتفت الى شاهمندر ,و ركله فى جنبه ليقف و قال له :” أذهب خارج قريتنا و لا تعد ثانية يا كرة الجوارب ,ما حدث الآن ما هو الا رقصة لأجل عينى صفانديا ,أما و إذا أصررت على الحضور لقريتنا فلا تلومن الا نفسك”.
نظر شاهمندر الى عينى و أطرق برأسه و ذهب لا يولى ظهره ,كانت نظرته كفيله لأعلم أنه ذاهب الى أمير الظلام ليخبره بوجودى و اى اسم أنتحل ليحل بلعنته على أهل القرية ,و ينتقم من راج لأجل ما فعله بتابعه .
    أخذ مارس كوكب الحرب يلمع بلون دموى قاتم فى سماء سوداء كئيبة بلا قمر ،و أختفى فينوس فى تلك الليلة ،كنت أطالع السماء حينها و قد علمت أن الحرب وشيكة ،فلقد جنت هيتياناهذا الصباح و أكلت نصف ساريها غيظا عندما شاهدت ما فعله راج بشاهمندر ,و أخذت بارفاتى و رحلت ,و أنا على يقين أنها ذهبت لجدتها تلك الساحرة العجوز لتجد حلا عندها للتخلص منى ,و هى تظننى مجرد فتاة تدعى صفاندينا .أما ذاك الغبى شاهمندر ،فعلى الرغم من أنه كرة من الجوارب ممتلئة بالاتربة الا أنه مثل الكاميرا فبالتأكيد نقل كل شئ الى أمير الظلام ,و هو يعد العدة لمهاجمتى و قتل راج ،و لكن أين راج الآن ؟
      ما أن خطر ذاك السؤال برأسي فإذا براج و معه شباب القرية قد أتوا تحت نافذتى ،و بدأ راج بالغناء و الرقص و هم خلفه ،كان يمتدح جمالى و يبثنى كلمات العشق و الغرام و الجميع يرقص بفرح ،لا أنكر أن ذلك أطربنى كثيرا و لكنه لم ينسنى أن مارس يتوسط السماء بغضبه ,و هذا يعنى أن طرقات القرية الترابية ستخضب بدماء الفانين قريبا جدا .
     ظلت هيتيانا طوال الليل تحلم بأنتقامها من صفاندينا و تخلصها منها للأبد و تودد راج لها و غناؤه لعينيها ،ظلت تحلم و تحلم ،و أنا أرى أحلامها و أضحك و أغذى أحلامها و أمانيها بالمزيد فأنا سيدة الاحلام و يكفيها فزعا أن تستيقظ على ما يهدم أحلامها سيكون هذا أقوى من أرسالها الى أرض الكوابيس ،أنا أكثر رقة من ذلك ظننت ذلك واضحا .أما المارق أمير الظلام فقد أخذ يعد عدته و هو يغلى و يزبد من راج ،أوسم رجال الارض ،و معبود النساء ،ببشرته السمراء الناعمة و عضلاته المنحوتة من الصخر و شعره الأسود الفاحم و صوته الدافئ ، فكما كان أدهم صبرى فارس أحلام أجيال كاملة من الفتيات و فاتن بطلات سلسلة رجل المستحيل ،فقد جنت به فتيات القرية و أثار غيظهم عشقه لصفاندينا تلك الغادة الحسناء و التى يبغى أمير الظلام الأستحواذ عليها و لذلك يجهز جيوشه لأستعادتها و الرحيل بها لأرض الجحيم .كانت ليلة عجيبة أراهما بعينى أنا صوفيا الجحيم و أبتسم بسخرية ،فكلاهما يبغى راج ،هى لتتزوجه و هو ليقتله ،و لكنى أنا من أحضرته و أنا من تستحقه .
     أقبل الصباح بغيوم سوداء كثيفة لم تعهدها القرية منذ أنشأت ،كانت من الكثافة ما حجب الشمس فلم تترك بصيص ضوء يهرب من خلف ستائرها الكئيبة .أخذ كاهن معبدنا أبشك يركض برداءه الأصفر حافى القدمين فى طرقات القرية الترابية مثيرا عاصفة من الغبار الرمادى ,و هو ينذرنا بالثبور و عظائم الأمور ،و أن الدماء ستسيل أنهارا لتخضب أرضنا لعشر سنين . كان من هول كلامه أن دفع الجميع ليختبؤا فى بيوتهم ,و قد فعلوا الا راج الذى دق باب بيتى ,و هو ينادينى بلوعة و لهفة ،فركضت مسرعة أفتح له .دلف و أغلق الباب خلفه ثم أخذ بيدى الى حجرة جدتى ,و جلس القرفصاء عند قدمي و هو يقول :” لن يمسك سوء صافندينا يا حبيبتى فراج بجانبك دوما “.
 منحته أبتسامة أضاءت وجهه ،و لكن عقلى أنا كان فى مكان أخر يستطلع مكان أمير الظلام فتلك الأرهاصات تعنى قرب مجيئه .
    ما أنت سمعت هيتيانا كلمات كاهن المعبد حتى أرتسم على ثغرها بسمة شيطانية ,و أنتصبت واقفة لتبدأ تراتيل تعاويذها بنغمات راقصة ,و هى تتمايل بجزعها كحية رقطاء ،فأرتسم حولها هالة برتقالية تتحول بالتدريج الى اللون الأحمر ،ما أن وصلت للون الدم حتى أنطفأت و تخضب لون جلد هتيانا بلون الدم و أغشى عليها .كنت أراها من مكانى هذا ،و أعلم أنها ما أن تفيق حتى ستلحق بأمير الظلام ليشنوا الهجوم .جلس راج تحت قدمي كالتمثال لا يطرف له جفن ،و عيناه بعيني يشع منهما الأطمئنان و الدفء ،كان وجود راج يبعث الراحة فى قلب صفاندينا ،لقد أحببت وجود راج كثيرا .و على حين غرة سمعنا صوت عالى كهزيم الرعد هزر القرية هزا عنيفا ،كان هذا إذانا بقدوم أمير الظلام ،ما أن دوى الرعد فوق رأس هيتيانا الغافية حتى هبت كالملسوعة لملاقاته .كان لقائهما ساحرا فقد رجته هتيانا أن لا يقتل راج و يتركه لها فى مقابل أن تترك له صفاندينا ،كذب عليها أمير الظلام و أوهمها بموافقته ،و طلب منها أن تذهب أولا لتأخذ راج سريعا .ما أن وصلنا صوت الرعد حتى أرتجف جسدى فقد شعرت بالاهتزازات الصادرة عن أمير الظلام ،و شعرت بالنار تشتعل بجوفى دليل نشوته لقد تم الأتفاق بينه و بين هيتيانا .كان راج يمسك بيدى يحاول طمئنتى ،أخذت الدموع تتساقط من عيني بغزارة ،و أقدم راج على أغرب شىء يمكن تخيله ،لقد أخذ يجمع دموعى بين كفيه ثم شربها ،لم يكن يعلم أنه بشربها قد حصن نفسه ضد هيتيانا و أمير الظلام .
      أخذ راج يهدهد قلبي بصوت حنون يغنى لى أغنية بنجابية و يشير بيديه الى عينيى ،الآن يمكننى أنا صوفيا الجحيم المدللة أن أعلن أن صورتى الهندية صفاندينا تعشق راج حتى النخاع .كانت جدتى تراقبنا بحب و أبتسامة رقيقة تزين ثغرها ،من يرى ثلاثتنا لا يظن أن هناك خطر يترصدنا .فجأة أرتفع عواء ذئب خلف نافذة غرفة جدتى ,و أخذ يخمش الباب برجليه بقوة فذعرت جدتى ،مما حدا براج ليخرج لقتله .و هذا ما احتاجته هيتيانا لتنبت من العدم فى وسط الغرفة ،و يالوقاحتها كانت تتظاهر بأنها أنا ،فقد حولت ملامحها الغجرية لملامحى ,وأحدثت جرح قطعى فى كتفها ،و أخذت تتأوه و تصرخ منادية على راج ،الذى أقبل و بين يديه جثة الذئب ،فرماها و ركض نحوها ،و هى تتهمنى أنى أردت قتلها ،و أدعت عليا زورا أنى هيتيانا الساحرة الملعونة .ما أن نظر الى عينيها حتى عرف الحقيقة ،فأمسك بذقنها و رفع وجهها لتنظر عينيها لعينيه القوية ،و قال لها :” يا لك من حمقاء كيف تجرئتى على التشبه بحورية قريتنا ،وسيدة فتيات الأرض ؟ ،ألا تعلمى أننى أعشقها و أعرفها من عينيها ،و أن تجسد شيطانات الجحيم بها .و أنما تجسدك يدل على معرفك بمدى عشقى لها ،أنصرفى الآن “
     لم تحتمل هتيانا كلمات راج و بدأت تلقى بتعويذاتها علينا ،و لكنها كانت بغير جدوى ،فقد كانت تنعكس عنا و ترتد تحت قدميها لتحرق ساريها .و كلما أنعكست تعويذة يجن جنونها ,و يتحول وجهها لمسخ شرس و بشرتها للون الأحمر ،فما كان من راج الا أن صفعها بقوة على وجهها ،و هو يقول لها :” يا عديمة النفع ،يا بلهاء ،فأنا جزء من صفاندينا و هى جزء منى ،أن ما تقومين به سيحرقك أنت “
    ثم حملها كأنها أرنب و ألقاها من النافذة ،لم تحتمل هيتيانا الأهانة ,و قالت :” و أن كانت تعويذاتى عديمة النفع ،فأن أمير الظلام يملك من وسائله ما ترد لى كرامتى ،و أراكما ممزقين أشلاء”
ثم رحلت و هى تلعن جدتها و تتهمها بخداعها .ما أن أنصرفت هيتيانا حتى سألت راج لما ضربها فراج كما هو معروف عنه كأدهم صبرى لا يمد يده على أنثى ،فأجابنى و هو يزوى بين حاجبيه :” من قال أن تلك الهيتيانا أنثى ،أنها ساحرة شمطاء ،تريد أن تؤذيك ،،ظننت ذلك واضحا “
ضحكت برقة سرقة قلبه بها ،فأخذ يغنى لى و أنا أضحك و هو يرقص ,و يقول :” هيا يا صفاندينا غنى معى و لا تخشى شيئا ،حتى السماء برامديتها الكئيبة لا تخفى وهج عينيك و وجنتيك المشرقتين التى تذهب عقلى و تجعل من قلبى مرجل للكلمات انظمها لك على النغمات “
كانت كلماته هى المفتاح الذى يسرق قلب صورتى صفاندينا ،و لكن عقلى أنا صوفيا الجحيم المدللة يعمل بقوة ليرى ما يفعله أمير الظلام الآن .ما أن رأى أمير الظلام ما حل بهيتيانا حتى جن جنونه فهذه أهانة له ،و توعد لحليفته بالثأر من راج و لكنها أصرت أن ينتقم من كلينا ،فطمئنها بالكذب فهو لا يبغى الا أرغام صفاندينا على العودة الى أرض الجحيم .أرسل أمير الظلام معاونه ذئب الجحيم ليأتيه بالأخبار و الأستعدادات و فد غمز له بخبث.عوا ذئب الجحيم مناديا قطيعه من الذئاب الرمادية الغبية ,و أنطلقوا فى طرقات البلدة الترابية يتشممون البشر ،و يقتحمون المنازل عليهم ليهاجموهم ,و يمزقونهم بعنف و يسقون الأرض بدمائهم الذكية ,و التى كانت تجرى على سطحها بسرعة حتى وصلت الى المعبد حيث الكاهن أبشك ،و الذى خدره الرعب من هول ما سمع من صراخ و رؤية الأشلاء و الدماء حتى أنه لم يشعر بأنياب ذئب الجحيم التى أطبقت على رقبته ,و لا مخالبه التى عقرت بطنه .ظل قطيع الذئاب يهاجم الفانين حتى أفناهم على بكرة أبيهم الا بيتين ،بيت هيتيانا حيث تقبع جدتها الساحرة العجوز ،و بيتى أنا حيث راج الذى جن غضبا من أصوات الصراخ و أراد الخروج لأنقاذ الجميع مما أجبرنى على أستخدام قوتى لأصنع حاجزا يمنعه من الخروج ،و جدتى التى أغشى عليها ما أن لامست الدماء المتسربة من أسفل الباب لقدميها .ركض ذئب الجحيم بعد أن أنهى مهمته الى سيده أمير الظلام ليخبره بما تم .هبط أمير الظلام بجناحيه السودادين يتطاير منهم شرر يحرق الأخضر و اليابس ،فما كانت تحل قدمه بمكان الا و يحول الى خراب .كان يسير بركبه قطيع الذئاب الرمادية بقيادة ذئب الجحيم ،و شاهمندر ذو الوجه المتورم تعلوا شفتيه الممزقة تلك البسمة السمجة ،و هيتيانا التى يأكلها الغل ,و بطير حوله غربان الخرائب السود الناعقة .كان يتقدم أمير الظلام متسلاحا بأبتسامته الخبيثة حتى وصل الى بابى خلف حاجز الطاقة الذى وضعته لمنع راج من العبور خارجه ،و أخذ ينادى بصوت كالرعد رج حوائط المنزل :” صوفيا فتاة الجحيم المدللة ،يا فاتنة الجحيم و كينونته ،هلا عدتى معى الى أرض الجحيم ،لقد أنتهى المزاح ،هيا فقد ذبلت جنيات الجحيم و نباتاته حزنا لغيابك “
ثم لمس بجناحه سطح جدار الطاقة ,و الذى صعقه بطاقة كهربية جحيمية فأرتد للخلف و هو يضحك ،ثم أعتدل ليواجه الباب و هو يقول :” أعلم أن جدار طاقتك قوى جدا ,و لكنك تعرفينى أنه لن يردعنى “
ثم فرد جناحيه و توهج جسده بطاقة رهيبة أضاءت الجو بلون الدم ,ثم نفض جسده لتنهار جدران البيت ,و تصيب الصاعقة جدتى المغشى عليها لتفحمها ،ذلك دون أن يهتز جدار الطاقة او نصاب أنا و راج بشىء .تملك العجب من أمير الظلام ،فأجبته دون سؤال :” لا يمكنك أصابة راج فقد أرتوى من دموعى “
  و بأشارة من طرف سبابتى أنهار جدار الطاقة ،وتقدمت أنا و راج لمواجهتهم و نحن متشابكى الأيدى ,و على شفانا أبتسامة ساخرة يرى أنعكاسها بأعيننا .جن جنون أمير الظلام فأشار الى تابعه ذئب الجحيم تجاه راج فقام منطلقا بقطيعه تجاه راج الذى أخذ يكسر عظامهم بلكماته و ركلاته ،كانوا يتساقطون تحت قدميه كالذباب و هم يعون عواء مؤلما .أشار أمير الظلام لشاهمندر لملاقات راج فأبى و ركض مختفيا من المعركة ,و هو يشيعنا بأبتسامة لزجة .تمتم أمير الظلام بتعاويذ الحرق حتى يهلك شاهمندر قبل أن يصل أرض الجحيم و كنت أراقب المشهد و أنا أضحك ،لم يكد يمر خمس دقائق الا و راج قد حول قطيع الذئاب الى كومة من الجثث المتكسرة ،لقد كان منظر ما تبقى من جثة ذئب الجحيم -الذى قضى عليه راج بقبضة فلاذية فى عنقه فتت عظامه النارية و أطلقت لهيبا أحرق جثته قبل أن تسقط بين قدمى راج كومة من الرماد السئ الرائحة- مرعبا.
     لم يجد أمير الظلام بد من أن يتدخل بنفسه لمواجهة راج ،فما كان منى الا أن أقمت حاجزا من اللهيب حول راج يعوق أمير الظلام من أن يمسه ،فألتفت الي غاضبا ،فأبتسمت له بأن حانت لحظة المواجهة ،ثم أبتدأت أتألق بلون أبيض مشوب بالحمرة ,ثم أجتمعت حولى جنيات الجحيم ,و حيات الأرض ,و أشعت عينانى بريق النار .فرد أمير الظلام جناحيه و ضمهما بقوة مرسلا تيارا من الكرات النارية التى تلقفتها الحيات لتتفحم ،غضب أمير الظلام ,و أرسل صواعق الرعد و البرق ,فأمسكت بها جنيات الجحيم .و قبل أن يبلغ الجنون حده أشرت للجنيات بأن تتراجع ,ثم رفعت أصبعى تجاه أمير الظلام فتيبس و سقط أرضا ليصبح هو و الأرض سواء ،حاول تحرير نفسه دون جدوى .و لكنه وجدنى بداخل عقله أحدثه قائلة بنبرة ساخرة كانت تحرقه :” اوه عزيزى المارق ،لقد كنت تشتهى لقائى أنا صوفيا الجحيم المدللة ،تحلم بإذلالى و أعادتى الى أرض الجحيم ،و ها أنا ذا أسقيك من جحيمى ،ها أنت ذا تشوى و لا تستطيع طلب النجدة او حتى تصرخ ،و لا يمكنك التزحزح قد أنملة “
ثم صمت دقيقة أتلذذ برائحة شواءه ثم أردفت :” و لكنى سأطلق صراحك على الا تعود الى هنا مجددا ،و أنت تعرف ما هى عقوبة الحنث بالوعد مع أباطرة الجحيم ،و خاصة معى أنا ”
ثم أطلقته ليتوعدنى بمواجهة أخرى فى غير ذاك الزمان و المكان .برحيله صرفت الجنيات ,و رفعت حاجز النار عن راج و الذى كان يتميز غيظا لتجنيبى إياه الصراع ,و أمعانا فيه منعته من مشاهدته .أبتسمت له برقة ,فأنا لم أكن أريده أن يرى ما حدث ،لم يستطع أن يقاوم أبتسامتى فبادلنى الأبتسام ,ثم جال ببصره فى الخراب حولنا ,و قال ضاحكا :” و الآن يا محبوبتى صفانديا أنها النهاية كما أرى ،ماذا نفعل ؟ هل نرحل الى قرية أخرى لنتزوج و نحيا بسعادة ؟أم…. لا يمكننى أن أكمل “
نظرت له بحب و أجبته بأبتسامة وديعة :” حبيبى راج لقد عشقتك صورتى صفاندينا حتى أنها تمنت أن تتزوجك ،و لكنها أحدى صورى و لقد أنتهت أجازتى ،كما يجب أن تعود لشخصيتك الحقيقية أدهم صبرى و تعد الى منى فقد أفتقدك عالم المخابرات يا عزيزى “
ضحك راج و خلل شعره بأصابه و قال :” عزيزتى صوفيا لقد نسيت كونى أدهم صبرى ,و لقد أفتقدت كونى رجل مخابرات خارق ،و لكنى لا أنكر أنى أحببت تلك النكهة الهندية ,و أحببت تلك المغامرة فقد كانت خلاف لكل مغامراتى فى رجل المستحيل “
نظرت له بلطف و قلت بخيبة :” الوداع راج ،سأعيدك يا أدهم الى حيث تنتمى ،و أعود أنا الى أرض الجحيم “
أجابنى برقة :” الوداع صفاندينا على وعد منك باللقاء مجددا فى أحدى أجازاتك العجيبة “
الى اللقاء فى نكهة أخرى

المقدمة – نكهات صوفيا – سلسلة قصصية – صفاء حسين العجماوى

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .