حكاية زميلنا الجامحة – قصة قصيرة – أحمد جمال إبراهيم

0 627

حكاية زميلنا الجامحة …

 

حدثنا الزميل ذو الخيال الجامح أن فلانا من بلاد مجاورة، في ساعة ما من الليل، انزوى عن أنظار العامة، وركنت هواجسه الى ساحة واسعة بأرض العجائب المحظورة، وأنه كيف وارتها غزارة الطمي، وقاومت أشجارها عصف الرياح حتى أمست عارية من حفيف الأوراق، وانخلعت الزهور المحيطة من جذورها بقسوة..
يقول: بطلنا فلان كان شديد البنية، لا يهاب الصقيع المتفشي بالأجواء، ولا يخاف الظلام الذي يغلّف السماء، صوته فيه غلظة الرجال، وصراخه مثل زئير أسد غضبان، وعيناه الداكنتان تستحيلان فورا الى الاحمرار المشع حالما تخطو قدماه بحدود ذلك المكان، أما أظافر يديه فتبرز بسرعة وتستطيل لتصبح حادة مثل المناجل..
قاطعه احدنا مستنكرا: يا هذا حسبك.. كيف يعقل لآدمي أن يتحول الى ما تصفه لنا.. أمجنون أنت أم تحسبنا بلهاء؟!
كنا مجتمعين في العراء، وقت أن بدأت ألسنة النار المتأججة في كومة الخشب بالانخماد تدريجيا..
بدت نبرة رده مرتعشة، كأن رعبا يداهم جسده: يا رفاقي.. هذا ليس بآدمي.. انه المسخ الذي يعبث بنتاج تلك البقعة من الأرض..
حاولنا تصديقه ولكننا كنا متحفظين تجاه ما يرويه لنا، آخذين كلامه بأعين المزاح، كعادة معظم مجالس الأُنس التي نعقدها.. نملأها بالحكايات الخيالية والخرافات..
سأله أحدنا: طيب وما الذي تثيره عجائب تلك المساحة؟! أين العجيب في أرض يفترشها الطين؟!
فقال: الآن أخبركم.. عندما لمست قدماه تلك الأرض وشاع الاحمر في عينيه، ورفع رأسه الى البدر المنير، انزلق جسده وطمس في داخل الطمي، وانداحت صرخاته في ارجاء المكان.. هنا يا رفاق يأتي الجزء العجيب، اسمعوا.. لما وقف ذلك الرجل ثانية ونشّفت الرياح ما اعترى جسده، ثم صار متشكلا في هيئته الجديدة، حيث شعره أشعثا، ولحيته كثة غير مهندمة.. وراح يزأر للهدوء المحيط به والأنياب من جانبي فمه أخذت في الظهور واللمعان.. أتعرفون.. لقد كان يشبه ذاك المدعو دراكولا..
وقتها كنا نسترق السمع بنهم شديد، ما كان يرويه لنا يمتعنا، والمتعة تحلو أكثر في حضور النور الخافت الذي نجلس حوله ونسمات البرودة التي تتخلل صدورنا..
ثم تهكم أحدنا ساخرا: يا لعجيب ما تروي!.. صاحبنا يريد أن يرعبنا بهذه الحكاية، انظروا الى سرواله.. يعطرنا برائحة البول السائلة.. هو لا يرعب الا نفسه..
وارتمينا على ظهورنا ضاحكين، علامات الحرج بدت واضحة في وجهه، نالت منه سخرية الجميع، لجم لسانه فصمت تماما.. لكن ابتسامة خبيثة ارتسمت على شفتيه، ظننا أنه يبادلنا المزاح.. لكنه لم يكن يفعل..
سكتنا عن الضحك متأهبين لفصله القادم عن ذاك المتحول في أرض العجائب.. لكن فجأة ضرب دوي صوت في أذننا جميعا.. كان مرعبا بحق، أخذنا نبحث حولنا لكننا لم ندرك له مصدرا..
فزع أحدنا: ما هذا الذي سمعناه للتو؟! هذا الصوت لا يبشر بالخير يا جماعة!
بعد ثوان راودتنا رؤية مصباح يتراقص في الهواء، آت من بعيد، وهناك ذراع ممسكة به، يلامس نورها جسد كائن لم نتبين هيئته..
زعق أحدنا نحوه: يا هذا اكشف عن هويتك.. من تكون ؟!
عجبنا لصمته، ظل يقترب ويقترب، لاحظنا لونا أحمرا يشع في عينيه، ثم سمعناه يصدر ما يماثل زئير أسد غضبان، فما كان منا الا ان التفتنا بالاتجاه الآخر وشرعنا في الجري دون تمهل، غير أن كائنا آخرا، في نفس هيئته، كان ينتظرنا في تلك الجهة أيضا.. كان لصراخنا دوي يظهر هول الرعب الذي يسكن أوصالنا.. لكن بالوقت نفسه انفجرت ضحكة من هذين الكائنين، لحظة ان كشف أحدهما عن وجهه..
كان صاحب الخيال الجامح قد أوقعنا في مقلب لم ينسه أي منا..
خصيصا ذلك المتهكم الذي بلل الخوف سرواله، ومضى بعدها في صمت الى فراشه لينام..

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .