قصص قصيرة

الحب تضحية – من رواية انت المراد – لـ ميناس جبران

الحب تضحية …

قطع الأمل كفر بما نؤمن، كلنا بحاجة إلى الأمل لنحلم ولنصل إلى ما نريد، إذا وثقنا بأنفسنا وأعطينا روحنا جرعة أمل سوف نصل إلى ما نريد قطعًا .. ازرعوا بقلوبكم وردة أمل.

كان الأمل الذي يسكن عينيها هو الذي يقويني، كنت منهما أستمد قدرتي على تحمل الأحداث التي عشناها معًا بعام حبنا الأول..

ميناس.. وردتي.. أصاب أطراف أوراقها مرض، بدأت تعاني تجلط الأوردة العميقة، كان يؤثر على قدمها التي كانت قد أُصيبت من قبل، كانت حالتها بسيطة، ثم بدأت تظهر عليها عوارض المرض، وبدأ يظهر على قلبي نتوء.. عندما عرفت ذهبت أسأل الأطباء علّي أجدُ التشخيص خاطئًا أو أجد حلًّا يخلصها مِمَّا هي عليه، لكن للأسف ما كان أمامي وأمامها إلا أن نواجه الواقع..

ذهبت إليها، أمسكت يديها وضممتهما إلى صدري، قلت لها:

لأجل ما ينبض هنا لأجلك سوف تكونين بخير..

وأول ليلة احترق فيها قلبي تلك الليلة التي كنت أسهر فيها معها كعادتنا، كانت تحادثني بصوت ذابل، بصوت متعب أتعب قلبي، كانت الليلة الأولى تقول لي فيها:

تعبت أريد أن أنام.

فراشتي التي لا تتوقف عن التحليق حول قلبي متعبة، هي التي تلِحُّ عليَّ كالأطفال لأنام، تطلب مني الآن أن أُغفّيها.. غيمة حزن ظللت قلبي حينها..

ألمها أشقاني، فما عدت أعرف كيف أحمل همها دون أن أُشعرها أنني متعب، لأنني أعرفها جيدًا إذا شعرت بألمي سوف تخفي عني ألمها..

في يوم أجرت عملية مفاجِئةً بقدمها، اتصلت بي بعد انتهاء العملية، كانت تبكي..كانت تشهق، كانت تردد عبارات لم أكن أفهمها، حاولت إخماد الحريق الذي اشتعل بقلبي من أول شهقة لها، وحاولت فهم ما يجري، من بين عواصفها الممطرة سقطت كلمات على أذني..

مُراد يؤلمني ما فعلوا بي.. أريدك معي.

حينها توقفت الدنيا، تسمرتُ مكاني وانخلع قلبي من مكانه.. تركت العمل، تركت كل شيء على حاله وركبت سيارتي.. كنت لا أسمع إلا صوت بكائها، شعرت أنني بالبرزخ وبأنني عالق بين الحياة والموت.. لم أكن أعرف أين هي ولا مع من، حتى بعثت لي أنها على مشارف بيتها وأنها بخير.

كرهت نفسي لأني لست قريبًا منها، كرهت أنها ليست حلالي بعد، وأنه ليس بوسعي أن أكون ببيتها.. ذهبت لبيتي ونقص عمري مئة خريف، حدثتها وكانت ما تزال تشهق بالبكاء.. قلت لها:

لأول مرة أسمع بكاءً ذا دلالٍ كبائك،حتى بكاؤك مُغْرٍ!

ضحكت، فازداد عمري مئة خريف..

***

خريف بعز الصيف، طغت الفصول على بعضها بعضًا بحياتي، صرت على كف الحياة أتلوى ألمًا، ألم روحي كان أكبر من ألم جسدي عندما قال لي الطبيب: إن علاجي من الممكن أن يطول وإنني سأعاني بالمستقبل القريب، كان قلبي وعقلي يؤلمانني، كان قلب المُراد يؤلمني..كنت أفكر: كيف لي أن أظلم المُراد معي؟

كيف وهو عندما تسقط مني دمعة تسقط حفنة من عمرهِ معها؟

كان من الواجب عليّ أن أفكر بعقلانية مع أن عاطفتي كانت تعرقل تفكيري إلا أنني كنت أتجاوزها بصمت دامع، لم أكن أدري أأقترب أم أبتعد، كنت أريد أن أقترب لأستمد منه ما يُبقيني بخير، وبنفس الوقت كنت أريد الابتعاد لأنني لم أكن لأقدر على ظلمه يومًا ما، ذهبت إليه، كنت أحدثه للمرة الأولى دون أن أنظر إلى عينيه وبصوت يرتجف قلت له:

– أنا أحبك بعقلي مثلما أحبك بقلبي، ولأنني أحبك جدًّا أريدك أن تعيش مرتاحًا، أريد أن تقف بجانبك امرأة تليق بك وتفوقني صحة، وتنجب لك أطفالًا، وتكون معها مرتاح البال، ستقع على عاتقك مسؤولية أكبر إن كنتُ أنا امرأتك، سأتكئ عليك كلما مشيت، ربما لن أنجب لكَ أطفالًا مثلما تحلم، ربما ستسهر طوال الليل لأن حرارتي عالية، لأنك روحي، أريدك أن تعيش سعيدًا مرتاحًا، لا أن تحملني همًّا بقلبك..

نظر لي حينها بنظرة حزينة..

– من وضع تلك الأفكار برأسكِ؟

– عقلي.

– لا تفكري بشيء، كل ما تمرين به زائل، وإن لم يَزُلْ فأنا معكِ لآخر رمق.. سـتكونين ملكي كما أنتِ الآن، ستكونين زوجتي وسأنجب أطفالي منك أنتِ، أنا لا أرى حياتي مع امرأة أخرى، ولن أرى مستقبلي إلا معكِ، من الظلم أن تتركيني!

فكيف لي ألا أحبَّ رجلًا مثل المُراد؟

عندما نحبُّ أحدًا بصدق نتمنى له السعادة، نختار له الطريق السعيد، ولو كان على حساب تعاستنا، نختار له الحياة حتى لو كانت ترتكز على موتنا..

***

كلما كانت ترتفع حرارتها كان قلبي يحترق، كنت أدفِّئها ومِلْءُ عيني بردُها، هي لم تكن تُشعرني أنها تعبت من الوضع، فهمَّتُها العالية هي التي كنت أستمدُّ قوتي منها..

وفي ليلة كنت مشتاقًا إليها جدًّا، كنت أشعر بحبها يحيطني من كل مكان، حدثتها وشعرت أنها متعبة، قلت لها:

– أتدرين حتى وأنا وحدي أدلِّلُكِ، وأناديكِ حتى شعرت أنني جننت..

ضحكتْ، فرجف قلبي وقلتُ:

–      ضحكتكِ هذه أبيع عمري لأبقيها.

وتابعتُ قولي:

–      ما يؤلمني أنني لستُ بقربكِ بساعة كـهذه، يعزُّ على نفسي كثيرًا أن يدي ليست بيدكِ عند نومكِ، يعزُّ على روحي أنني لست بجانبك كل الوقت.

وأفسدت دموعي حديثي؛ فانهرتُ دون أن أفكر، وبأول دمعة مني سقطت كل دموعها، كانت دموعنا تسقط من سماء تتألم، دمعها لا قدرة لي على تحملهِ، دمعها يوقفني عن أي شيء يمكنني أن أفعله، صرت أوقف دمعها بكلمة.. بضحكة حتى توقَّفَ لكنه لم يتوقف بقلبي..

هي حبيبة العمر.. كان عليها أن تمشي على عكاز ليساعدها، عندما رأيتها تتكئ عليه تمنيت لو أن أضع لها قلبي لتتكئ عليه، وعندما كانت تراني كانت ترميها وتقول لي:

كيف أحتاج له وأنت بجانبي؟! لن أتكئ على عكاز وبجانبي رجل..

لا تحزن إذا كنت بعمر الشباب وتمشي على عكاز.. لكن احزن إذا كنت بذاك العمر وقلبكَ بحاجة إلى عكاز

من رواية انت المراد لـ ميناس جبران

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق