قدر لطيف – قصة قصيرة – لـ أحمد جمال إبراهيم

4 505

قدر لطيف

عجلاتها جرت في الأرض جري العمر، بسرعة مهيبة مرعبة، حين صرخت سيدة مسنة في سائق الميكروباص:

– هدي السرعة يا ولدي!!

الصحراوي، خط إدفو أسوان، حار ملتهب، السراب فوق الإسفلت لا يبدو للعين بحيرة مياه تتلأﻷ؛ وإنما بركان وهجه يتأجج.. وصاح زعيقها ثانية:

– يا ولدي هدي السرعة هنروح في داهية!!

صوت المسنة مزعج، يعكر حلاوة مزيكا الدبكة، المنبعثة من راديو الميكروباص، وعجلة القيادة بدت متأثرة بأنغام الدبكة الصاخبة، مما جعل جسد العربة يتفافز على التعرجات، يتوائب ويتماوج ويتعارج، ربما يرقص أيضا على الدبكة، ويدا السائق ممسكة بالمقود، أناملها تطبل خلف الدبكة، وقدماه، فوق الفرامل والبنزين، تحاكيان دندنة الدبكة، هناك في آخر العربة، مع ابنتها الصغيرة، والزوج بجانبها، وخمس شباب آخرين في المنتصف، وأنا بجانبهم، تفصح وجوهنا الصامتة أننا نستمتع بمزيكا تلك الدبكة، أما باقي الركاب نيام، الا المسنة، لازالت تنادي بهلع:

– يا ولدي حرام عليك خاف الموت!!

الطريق مزدوج، ذهاب وعودة معا من دون رصيف حائل بينهما، السائق ترك المقود، وسقف للدبكة، لعله لم يفعلها الا ليغيظ المسنة، ربما ليؤكد لها انه يسيطر جيدا على العربة، لكنه يلعب بالعربة، والعربة فوق الطريق بالتأكيد تثبت صرامة تحكمه بها، والا ما كانت لتتواثب فوق التعرجات دون ان تنقلب من أول مرة، لو لم يسترها القدير حين انعوجت العجلات الى حارة القادمين كالطلقات، لو لم يكن هناك عربات قادمة وقتها، لرقصنا كلنا على ألحان الدبكة في عالمنا الآخر، لتحسرنا على عمرنا الذي ضاع في فجاءة، في لحظة غفلتنا.. ثم سمعناها تزعق بصخب:

– الله يخرب بيتك كنت هتموتنا.

= صلي عالحبيب يا حجة ومتقلقيش. محناش عيال صغيرين يعني وبنسوق في المخروبة دي من واحنا ف ابتدائية.

– كنا هنموت وتقولي أصلي عالحبيب!! طب صلينا عالحبيب يا خويا، سوق بالهداوة لو تفضلت.

مخ السائق ناشف، عنيد وعبيط، لا يقبل النصح ولا يوافق على أي توجيهات تصدر من راكب معه، خاصة لو كانت سيدة، وخصوصا لو كانت مسنة ذات صوت مزعج كهذه..

ارتفع صوت الراديو، باعثا تلك الدبكة الصاخبة مرة أخرى، وعادت السرعة تذود فوق الإسفلت، لعلها تقترب من الحد المسموح على الطريق، غير ان مؤشر العداد أعلن عن تخطيه سرعة المائة وأربعين.. فهاجت المسنة تنادي بالخطر، وصارت أنفاسها تؤذن لكيلها الطافح، وانفجرت خارجة عن صبرها:

– يا ولد المخبل!!

= لمي حالك يا حرمة.

– حرمة تحرّم عليك عيشتك. نزلني!

= مش هوقف!

– بقولك نزلني لصرخ وأعملك فضيحة.

وداس السائق الفرامل بقوة، فاندفعت أجسادنا بقوة للأمام، وتوقف الراديو عن ضج الدبكة، ثم علا ضجيج الخناق بالألسنة..

= لمي حالك يا ولية.

– انت قليل الحيا وأهلك علموك الوقاحة.

= انزلي.

– هات الحساب.

= ملكيش حساب.

– يبقى مش نازلة.

= وانا حمشي براحتي وبمزاجي.

– حسبي الله ونعم الوكيل فيك.

= قبر يلمك.

– الهي تتقلب بينا عشان تبقى تسمع الكلام.

= ما هي لو اتقلبت بيا هتتقلب بيكي انتي كمان يا مخبولة يا أم عقل بايظ.

– يا رب توبة منه الصحراوي دا.

= يبقى أحسن وأهو نرتاح من وشك العفش وصوتك اللي شبه البقرة الجعارة.

– احترم حالك يا كلب.

= والله لا انتي ولا عشرة زيك.

– أوف !! الرحمة يا رب !!

= ربنا ياخدك.

سكتت المسنة، ومضى الميكروباص فوق الصحراوي، يتهادى تدريجيا مع الدبكة..

لم نرها، الشاحنة المباغتة، كانت منطلقة كالسهم، قادمة في حارة طريقنا، وصارت أقرب من أن نتخطاها دون اصطدامها، علت شهقة مسنة، وخرجت زفرة هلع من سائق يفقد السيطرة على المقود، واخترقت الدبكة زمجرة صوت الشاحنة الصارخ، أصابنا الفزع، توقفت قلوبنا لثواني، سكتت الألسنة، جحظت أعيننا لقدرنا المحتوم القادم، ظلت شاخصة، ناظرة، وعج لسان السيدة المسنة ينطق الشهادة بصوت مخنوق مكركر؛ الا ان ألطاف تقدير المولى شاءت لنا ان نتفادى هذه الفاجعة، انحرفت عجلات الشاحنة يمينا في آخر لحظة، وانحرفنا يسارا في ذات اللحظة، وقفز بنا السائق من فوق الإسفلت الى رمال الصحراوي الكثبانية، ففرملت العجلات بقوة، حتى غاصت في الرمال، كدنا ننقلب على وجوهنا، لكن توقفت العربة عن العمل، وسكتت الدبكة، ثم لاح صراخ صوت معاتب:

– يا ولدي!!

وجاءنا صوت السائق ممزوجا بنبرة الندم:

– جات سليمة يا جماعة الحمد لله.

4 تعليقات
  1. مريم محمود زيزو يقول

    جميلة جدا دام ابداعك

    1. أحمد جمال إبراهيم يقول

      أشكرك يا مريم 🙂

  2. محمد سعيد يقول

    حلوة القصة

    1. أحمد جمال إبراهيم يقول

      أشكرك يا محمد 🙂

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .