ظل عابر – قصة قصيرة – لـ أحمد جمال إبراهيم

2 987

ظل عابر

اليوم، تحديدا في ظهيرة القرية، تعامدت الشمس فوق سفوح الجبال الوعرة الجانبية، انبعث منها الصهد محملا بأتربة تثور هائجة مع الريح، انساب ضياؤها المشع بين سعف النخيل على طول حدود القرية؛ فانعكس على الأرض ظل كل جامد ومتحرك..

لاح جسد رجل يترنح فوق نخلة انحنت تحت وطأة الزمن، كان يرغب في بلحها المعروف بمذاقه الشهي، هذه النخلة، دون غيرها، مطمع الجميع؛ لذلك استغل فترة القيلولة، وتحدى نفسه ألا ينزل دون جني كل محصولها، ليس بعضه..

في الجهة المقابلة من المكان.. أرض مكشوفة تماما، برز من العدم فجأة، رجل يتهادى فوق امتدادات حديد القضبان المتوهجة، تحت نار الشمس المتأججة، لفتت انتباهه ظلال مضطربة في وقت الهدوء، وثمار بلح تتهاوى كقطرات مطر مثلجة، أمعن النظر بالذي يضرب في نتاج النخلة بخطاف حاد طويل، ضربا شديدا قاسيا، ثم راح يراقبه من مكان موارب وقريب من بيوت رجال القرية، ثم شرع في الصراخ ليفضح أمره؛ فاستوقفه هاتف، ناداه من أعماقه بنبرة حكيم متمرس:

” يا هذا! اصبر ولا تتعجل، على الاقل حتى يفرغ منها، بعدها انقض عليه متلبسا وساومه على نصيبك من البلح.. “

راعه الهاتف المجهول فسأله:

– من أنت؟! من تكون؟!

– أنا ظل الرجل الذي بالأعلى هناك

– هذا جنون!! كيف يمكنك التحدث الي!؟ كيف يعقل أصلا !!؟

– اصبر قليلا.. انظر وتدبر لما ستؤول اليه أمور هذا الرجل.. بعدها قد تدرك كيف يعقل كل ذلك “

وضحك الهاتف ساخرا..

الشمس حارقة، كان الخطاف يضرب عرجون النخل ضربا مبرحا، العجوات أمطار تسقط من غيمة شتاء، عينا الرجل من فوق الشجرة تتابعها وهي تتساقط فوق القضبان، حين بحث في ثمار العرجون المعلقة كانت قد برقت في عينيه واحدة مميزة، بلحة صفراء فاقعة، مطرزة من منتصفها، بدت مثل تنورة محبوكة ومنسوجة؛ ليس من ألوان وانما من عجوة، فاشتعلت في نفسه شهوة جوعان وانفجرت بداخله رغبة ضبع سعران، فلتقطها، الا ان عيناه تعلقت في ظله المنعكس على الارض، وقد بدا له أن ذلك الظل لا يتحرك وفقا لحركاته، بل انه يلوح نحوه ببلاهة وعته؛ فأكلها، وبصق نواتها صوب الظل، فاستقرت فوق وجهه..

الوضع مريب، الظل بالأسفل لا يزال يلوح لصاحبه، الذي يظن الامر مجرد هذيان بفعل الجو الحار العليل، صاحت في آذان الهدوء صفارة قطار يقترب، القطارات حين تعبر مسرعة أسفل هذه النخلة تغدو مثل اعصار شديد، يعنف بكل شيء فيها، هاجت ريح الاتربة عنوة، فاحتضن جسد النخلة بقوة، أغمض احدى عينيه، بينما الأخرى تابعت ظلالا فوق القضبان بدأت في التبدد والاختفاء رويدا ..رويدا، فخاف، وخالجت نفسه الريبة، وأيقن أن مصيبة ما ستحصل ان لم يلذ بالفرار سريعا، فترك من يده الخطاف، وركنت قدماه الى ثقب هش بالساق، فانزلقت، وانزلق معها بجسده الى الاسفل، مرتميا فوق منتصف القضبان، كسرت قدمه، وتشوه وجهه، وصرخ من شدة الالم، الا ان صرخة القطار كانت أقرب وأكبر من أن تعلوها صرخة رجل يتوجع، فضربه القطار ضربة قاتلة، وتعفرت الثمار البهية كلها، طار جسد الذي تعثر الى حيث الذي يراقبه في الخفاء، من رأى المشهد ولم يتدبر، فوقف مفزوعا، وبدأ ينادي ويستغيث بهلع، حتى قاطعه الهاتف:

” لا تصرخ.. لن يسمعك أحد!! ”

راح ينظر في وجه الرجل بعينين جاحظتين:

– من هو؟! انه يشبهني كثيرا !!!

هنا تجلجل الصوت الذي يهاتفه من عدم فقال ساخرا:

” يا مخبول، هو أنت، وأنا منكما، وأنت الان عفريته! “

ثم انفرج ضاحكا وتعابير وجه الرجل تتعجب وتتساءل في ريب:

– ماذا تقصد ؟!.. يعني انا لست بحي ؟!.. انت كاذب وانا لست بمخبول !!

” طيب.. فلتنظر تحتك.. انت بلا ظل! “

ساده التعجب والرعب، فاستطرد:

” منذ وقوع الحادثة.. منذ سبع سنوات.. وانت تظهر في هذا الوقت.. فقط وتحديدا.. كل عام لتشهد ما حدث.. طيب انظر هناك ثانية وتدبر.. رأس النخلة بجسدها المائل سقط بعد عبور القطار مباشرة!!.. “

ولم يتمالك نفسه فوقع أرضا كالمغشي عليه وبعدها بدأ جسده في الاختفاء والتبدد.. تبدد مثل الظل فوق القضبان.. مثله تماما.. رويدا رويدا..

2 تعليقات
  1. مريم محمود زيزو يقول

    جميلة

    1. أحمد جمال إبراهيم يقول

      شكرا لك

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .