نكهات صوفيا – نكهة مصرية – الجزء الأول – صفاء حسين العجماوي

0 459

نكهة مصرية (1)
لا أدرى لماذا لا أستطيع أختيار شخوصنا ؟ ربما لقوة سحر هذا المكان الذى أخترته ،لكنه المكان الوحيد الذى أمن فيه على نفسى ،و خوسيه من أباطرة الجحيم ،و اليخاندروا كذلك .فمصر بلد القوة السحرية منذ القدم ،فمنذ نشأتها أمتلكت نبع القوة السحرية ،و القوى الخفية فى العوالم الآخرى .هى الحصن و الأمان للجميع ،و يجب أن أحمى خوسيه من الجميع .ما هذا أن يدينا تنزلق من بعضهما قبل تجسدنا بثانية ؟. أبحث بأناملى عن أنامله فلا أجدها .لقد أضعت خوسيه نبض القلب ،و مهجة الروح .ترى لماذا ترك خوسيه يدى ؟، هل لقوة الوجهة ؟ أم لضعفى بعد ما ممرت به ؟ أم ماذا ؟، ماذا يعنى ترك خوسيه ليدى ؟، هل تجسد بمكان أخر ،أم نفس المكان ،أم يبعد عدة خطوات عنى ؟ خوسيه اين أنت ؟ و اين أنا كذلك ؟
لا يمكننى ترك مصر ،و أختيار مكان أخر ،لأنى أضعت خوسيه ،و أن رحلت فسيظل هو هنا ،و بذلك أكن فقدته نهائيا .و لكن المشكلة أننا سنتخذ شخوصا تناسب تلك البلد شكلا ،و اسما ،فكيف يمكننى التعرف عليه ؟ .أوه ماذا يحدث لى ؟، أشعر بدوار عنيف يكتنفنى قبل أن أتجسد .أغيب عن الوعى ،و لا أدرى الى إين ….
لا أدرى كم غبت عن الوعى ،و لكنى أشعرى بتشوش عجيب ،أسمع صوت ينادينى قائلا :” صفاء هيا أستيقظى ستتأخرين على الجامعة ”
وجدتنى أنهض من فراشى لأذهب الى الحمام .مررت أمام المرأة ،فاذا بى  فتاة حنطية البشرة ،بنية العينين كشعرها ،و عيونها واسعة ،أميل الى القصر ذو قوام متناسق .وقفت أتأملنى لقد أصبحت فتاة مصرية .بعد نصف ساعة كنت أنتهيت من أرتداء ملابسى ،و حجابى ،و نظارتى ،و أنطلقت الى حجرة المعيشة ،لأجد أمى بوجهها البشوش تستقبلنى ،و تخبرنى بأن أتناول اى شىء قبل ذهابى حيث أعمل دكتورة جامعية .قبلت رأسها ،و نزلت من المنزل ،و قد قررت ترك السيارة ،و الذهاب بالمواصلات العامة .فركبت سيارة أجرة ،و أخذت أشاهد شوارع الأسكندرية من خلف زجاج النافذة ،و أنا أستعيد كل شىء .
” أنا صفاء إبراهيم حاصلة على الدكتوراة فى علم النفس جامعة الأسكندرية و التى أعمل بها كمعيدة .تجاوزت الخامسة و العشرين ،و أعيش مع أمى ،كما لى أخت أصغر تدعى بسمة ،و هى متزوجة منذ سنتين .أنحصرت حياتى فى دراستى ،فأصبحت أصغر من حصلت على الدكتوراة فى مصر .لقبونى بالمرأة الحديدية ،لأنى لا أسمح لأحد بالأقتراب من قلبى حتى ظننته كالجميع ميت .أعمل عقلى فى كل شىء ،و لا أترك لقلبى القرار ،و لكن هذا لا يعنى قلة علاقاتى بل على العكس ،فأنا أجتماعية جدا ،و لى الألاف من المعارف و الأصدقاء.
لا أدرى لماذا أشعر بأنى مراقبة  ،هناك من ينظر الى .رفعت عينى فإذا بها تصدم بعينين سوداوين خجلتين لشاب ذو بشرة لوحتها الشمس .كان ذو ملامح مصرية خالصة .مصففا شعره بطريقة كلاسيكية ،و يرتدى قميصا أسودا تبرز منه عضلاته ،و بنطال من الجينز .لا أدرى لما لم أستطع حتى زجره بنظرة كما العادة ،و لكنى وجدت نظراته الخجلة تخترق قلبى ،فأشحت نظرى بسرعة ،و ألهيت نفسى بمشاهدة معالم الطريق ،حتى لاحت لى الجامعة ،فغادرت مقعدى و هو خلفى .تملكنى اضطراب عجيب غير أنه أستدار ليدخل مكتبة الأسكندرية ،و أنا أكمل طريقى للجامعة .ما أن خطوت بداخل الجامعة حتى نسيت كل ما حدث .انتهى يومى المرهق بعد خمس ساعات لتجمعنى الصدفة بنفس الشاب فى ذات المقعد المقابل لمقعدى .كان يحمل بيده بعض الخرائط الهندسية و الملاحية .كان صموتا خجولا ،و لكنه ذو شخصية آسرة لامست روحى .تملكنى الخجل ،فأخرجت هاتفى ،و أخذت أعبث به حتى وجدته يترك السيارة قبل منزلى بخمس محطات .و وجتنى أشيعه ببصرى ،فتلاقت أعيننا بخجل ،و أرتسمت على شفانا بسمات خجلى مرتبكة .ظل طيفه يطاردنى حتى وصلت المنزل ،لأجد شقيقتى و زوجها ينتظرانى حاملين لى مفاجأة خاصة ،أنستنى كل شىء .
ما إن درت مفتاحى بباب الشقة حتى وجدت أختى بسمة تقفز لتحتضننى ،و هى تقول :” صفاء ستصبحين خالة ”
قبلتها ،و أحتضنتها ،و أجلستها بهدوء ،و أنا أخبرها كالمعلمة التى تنبه تلاميذها :” أنتبهى يا جميلتى فأنا أريد طفل جميل ”
قالت هى ،و زوجها فى ذات اللحظة :” بل طفلة ،و سنسميها صفاء ”
تملكنى التأثر فبكيت .أخذت بسمة ،و أمى يهدهدانى حتى هديت .و أخبرتهم بأنى سأحتفل بهم .أخذتهم الى مطعم يقدم الأسماك على البحر ،فنحن نعشقه .بعد أن أنتهينا أرجعت رأسى للوراء ،و أنا أغمض عيني ،ثم فتحتهما بعد خمس دقائق ،لأجد ذاك الشاب الذى قابلته فى السيارة الاجرة صباحا يجلس أمامى بصحبة رجل و فتاة و الجميع يضحك .لا ادرى لما شعرت بقليل من الغيرة ،و الكثير من الضيق لرؤية الفتاة تمازحه ،و هو يضحك بقوة مطوحا رأسه ،فألتقت أعيننا ،فأشحت بوجهة بسرعة ،و لكنى شعرت بنظراته تخترقنى .و دونما رغبة منى أخبرت أمى و أختى و زوجها أن علينا الأنتقال الى محل للحلويات لنحضر كعكة لنحتفل فى منزلنا .فرحبوا جميعا ،و تركنا المكان ،و لكن عند الباب وجدته يصطحب الشاب ،و الفتاة التى كانت تمسك بيدى رفيقه ،و تمازحه قائلة :” آدم متى ستتزوج حتى تصحبنا زوجتك فى تلك العزائم المحدودة ؟”
ضحك بخفوت ،و هو ينظر الى مجيبا :” عساه قريبا يا سلمى ”
شعرت بأرتعاشة فى قلبى ،فأسرعت بالرحيل مع أهلى قبل أن يعرف اى شىء عنى .
ما أن ترجلت أنا و أهلى من السيارة أمام محل الحلويات حتى وجدته برفيقيه أمامى ،كأنما الصدف تطاردنى به ،لا أعرف لما يرتعش قلبى لمرأه .أشترينا الكعكة و رحلنا .لا أدرى كيف مرت الأحداث علي بعدها ،كل ما أتذكره هو طيفه الذى طاردنى طوال الليل .فى الصباح رحلت دون فطور لتأخرى فى النوم لأجده أمامى يمد الى يده بعقدى الذى سقط منى البارحة  بالمحل ،و الذى لم أنتبه لفقده حتى .شكرته ،و أنا أخذه منه بأدب ،فأبتسم بوجهى و قال :” آدم المصرى مهندس بحرى ,أجرى بعد الأبحاث فى مكتبة الأسكندرية ”
ضحكت بقوة ،فأردف ” لذلك نلتقى فى الطريق الى هناك ”
ها هو ذا يتذكرنى ،و يتذكر كل شىء يجمعنا . أبتسمت بعذوبة ،و قولت له :” صفاء أبراهيم حاصلة على الدكتوراة فى علم النفس جامعة الأسكندرية حيث أدرس بها ”
ثم أنطلقنا الى حيث وجهتنا ،و نحن نتحدث و نتناقش فى كافة المجالات كأننا ربينا معا .كان للكلام معه نكهة خاصة ،لا أكاد أشعر بمرور الوقت ،فصوته دافىء هادىء رزين يشعرك بالألفة و الأمان .كانت الأحاديث تدور بيننا بسلاسة عجيبة ،فأحدنا يكمل للأخر ما يقول كأنه هو .مع الأسف وصلنا سريعا و لكننا أتفقنا على أكمال مناقشاتنا على مواقع التواصل الاجتماعى ،و لكن للصدفة رأى أخر فقد جمعتنا فى طريق عودتنا لنكمل ما أنقطع من حديث. ظللنا نتحدث ،و نضحك حتى جاءت محطته ،فنزل باسما ،و هو يقول :” سنتحدث ليلا فى تلك المعضلة ”
ضحكت ،و أخذت أشيعه ببصرى حتى غاب .عدت الى المنزل منشرحة الصدر ،قبلت رأس أمى ،و أكلنا ،و تسامرنا حتى جاء الليل ،فركضت أفتح حاسوبى ،و أنتظر حديثا باسما معه بلهفة لم أعدها قط ،حتى أن العجب تملكنى من نفسى .توالت خمس أيام ،و نحن على نفس النهج نذهب سويا ،و نعود سويا . نتحدث فى طريقنا للجامعة صباحا ,و نكمل حديثنا ليلا .و إن كانت أحاديثنا عامة ،الا أن لها مذاق خاص ،و موعد محدد لا نخلفه حتى فاجئنى بأنتهاء أجازته ،و غيابه لفترة طويلة لا يعلمها الا الله .فأخذتنى الصدمة للحظات غير قصيرة .
تمالكت نفسى ،و سألته عن سبب الغياب ،فأخبرنى بأنه ذاهب فى بعثة دراسية .هنئته متمنية له التوفيق ،و استودعته الله ،و خلدت الى النوم .لا أدرى كيف نمت ،و لكنه نوم بلا أحلام ،نوم رتيب ملول .عادت حياتى لطبيعتها ،و أن كنت أشعر بخواء غريب ،و شعور بالوحشة ينهشنى .و لكنى لا أظهر ما بداخلى ،و ظللت صلبة أامارس نشاطاتى بكل هدوء .بعد عشرة أيام وجدته يراسلنى على موقع التواصل الأجتماعى ،لقد استقر به المقام و حددت له دراسة بمدة ستة أشهر قابلة للتجديد .أتفقنا على موعد محدد لنناقش أمورنا ،و مشاكلنا .كانت تمر علينا الأيام لتزيدنا قربا ،حتى أضطرته الظروف الدراسية لتغيب عن موعدنا لأشهر دون سابق أنذار ،و أخذتنا سفينة الحياة فى رحلتها ،حتى عاد فجأة .
فى أحدى ليالى الشتاء الدافئة جلست أمام حاسوبى ،و بين يدى كوب من النسكافيه الممزوج باللبن .وجدته يحادثنى شعرت بالأرتباك يهز قلبى ،و عقلى حتى أنى لم أستطع التركيز فى الحوار الذى كنت أديره بين أعضاء هيئة التدريس بكليتى .حاولت أن أتمالك نفسى فلم أستطع ،سألته عن غيابه .فلم يجب بل سألنى فجأة : ” هل تقبلين الزواج منى ؟”
وجدت قلبى يخفق بقوة كأنما أراد تركى ليذهب اليه .هل ما يقوله صحيح ؟ هل يريدنى له زوجة ؟هل يحبنى ؟أم وجدنى مناسبة له فقط ؟.أخذت الأسئلة تعصف بكيانى فسألته :” لما تريد الزواج منى ؟”
كان سؤال صادم له ،و لكنه أجاب بلهفة :” لأنى أحبك ،بل بالأحرى لأنى أعشق الأرض تحت قدميكى .و الآن هلا أجبتنى ”
شعرت بالفرح ،و الحب يكاد ينقلنى اليه فى لحظة .ما هذه السعادة التى تغرقنى فى بحورها !. يا الله هل أن الأوان أن أستقر على شاطئ قلبه ؟،هل حان الوقت ليفتح قلبى مصرعيه للحب ،و السعادة أخيرا ؟،ما هذا الحب الجارف الذى يأخذنى اليه ؟ و لما هو ؟. أحبه أجل أحبه كما لم أحب من قبل .هل هذا هو الحب ؟. أنه بطعم الحلوى ،و مذاق الشيكولاتة ،و نكهة القهوة ،و عطر الورد ،و برقة الندى ،و دفىء شمس الصباح ،و همسات النسيم .
قاطعنى  متلهفا لردى ،فأجبته ،و الخجل يقطر من كلماتى :” أجل أقبل ”
يا الله ما أروع هذا الحب !
ترى هل هذا هو الحب ؟
لو هو الحب فأنا أسعد أهل الأرض ،بل أنا من أهل الجنة .
أخذت أدور فى غرفتى فرحة ،كفرخ صغير يطير لأول مرة .أخذت أتمتم باسمه ” آدم” يا له من اسم حفر بقلبى ليسقى خلاياى بدمه عشقا .لقد تغيرت على يديه ،لقد ذبت عشقا فيه لأصبح منه .كنت أشعر بفرحه ،و حبه ،و عشقه لى ،كنت أراه أمامى ،مثلى يضحك فرحا .يرتب كل شىء ،و يعد العدة لزواجنا .كنت أشعر بنبض قلبه بصدرى ،فقد أصبحنا واحدا .يا الله أدم علينا فضلك ،و تمم لنا فرحنا يا كريم .
أخذنا نتحدث ،و نرتب خطواتنا ،غدا سيعود للاسكندرية ،يومين لترتيب الاوضاع ،ثم يحادث والده ،ثم يخبرنى لأرتب مع أمى و زوج أختى ليخطبنى .كنت أنتظره بلهفة ،و شوق .لا ادرى كيف أمكنه أن يسرقنى من ذاتى ؟، كيف أمكنه أن يمتلك قلبى الموصد منذ سنين ؟، قلبى الذى كان كالفرس الجموح لا يقدر عليه أحد ،أصبح فى غمضة عين سيده .حتى أنى كدت أخشى على قلبى من حبى له .مرت الثوانى بطيئة كسلحفاة عجوز مكسورة القدم .دائما يمر الوقت على المنتظر بثقل تيراصور صخرى ملول قادم من عصور سحيقة على أرض غير الأرض .لا أدرى كيف أحتملت هذا الوقت و ثقله ؟، و لكنه مر و جاء آدم ليخبرنى بتلك المصيبة .
يتبع

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .