نكهات صوفيا – نكهة مصرية – الجزء الثاني – صفاء حسن العجماوي

0 412

نكهة مصرية (2)
          تملكت الربكة من آدم ،و هو يحادثنى .و الرعب يملأ قلبه ،فأهتز صوته ،و هو يقول :” صفاء حبيبتى أننا فى مشكلة لا أعرف ماذا أفعل ؟”
أخذ الفزع يتفشى فى قلبى ،و أنا أحاول أتماسك أمام لأسئله :” ماذا هناك ؟”
قال لى :” أخشى أن تسئى الظن بى “
كاد الرعب يفتك بى ،و لكنى تظاهرت بالقوة ،و قولت بهدوء :” لا تخشى شيئا الا تعرفنى ؟”
قال لى بتوتر :” لقد حادثت أمى و قد قبلت ،و لكن أبى رفض بدون أسباب ،و أقام الدنيا و لم يقعدها على رؤوس الجميع “
صدمت بقوة ،و أخذتنى رجفة قوية .يا الله هل تحطمت أحلامى ،و أمالى بقوة .لم أهنئ بحلمى لأيام .أنا من أنتظرتها طول العمر .يا الله هل هذه نهاية أمنياتى ،أن أموت بتلك القسوة .حل حان وقت سفك دمى ،و تمزيق قلبي ؟. يا الله ساعدنى ،ماذا أفعل؟، ماذا أقول ؟، بماذا أجيبه ؟
 كان الرعب يتملكه ،كان يخشى سوء ظنى به ،كان يخشى فراقى ،كان يخاف من ردة فعلى .تماسكت ،و سألته بصوت خفيض متألم :” هل نفترق الآن ؟”
صرخ بوجهى ،و قال :” أنى لم أخبرك لتتركينى ،بل لأنى أحتاج دعمك ،أحتاجك بجانبى فى تلك الحرب ،لأنى أريد أن أشعر بحبك ليقوبنى ،لا لتفارقينى ،و ترحلى “
        جلس آدم يستعيد أحداث تلك الأيام الفائتة ،منذ قبلت الزواج به ،و حتى اللحظة .أخذ يتذكر كيف قضى ليلته ساهرا يغنى ،و هو يرتب أغراضه للعودة الى الأسكندرية فى أقرب وقت .كيف نسى معنى النوم ؟، كم تمنى أن يغمض عينه ،و يفتحها ليجدنى عروسه ،سيدة بيته ،و ملكة فؤاده .قضى ليلته يحلم ببيتنا ،و أولادنا ،و حياتنا معا ،ضحكاتنا عندما يمازحنى ،كل شىء عاش فيه بأحلامه بكيانه ،بروحه ،بقلبه .عاد الى الاسكندرية ،و هو يكبح شوقه للقائى .كان يريد أن يرنى و هو خاطبى لا شىء أخر .أستقبله أمه ،و أبوه ،و أخوه ،و زوجة أخيه بفرحة غامرة ،و قضى ليلته بين تهانى الأقارب و الأصدقاء .بعد أنصراف الجميع جلس بجوار والدته ،و جلست قبالته زوجة أخيه سلمى ،و التى مازحته كالعادة بقولها :” ألن تتزوج يا آدم ،و تأتى الينا بمن تشاركنا فرحتنا بك ؟”
أبتسم آدم و حمرة الخجل تخالط فرحته ،و قد أستبشر خيرا بسؤال سلمى ،و أخبرهما بنيته بالزواج بى ،فرحت به سلمى كثيرا ،و باركته والدته ،و أن كانت قلقة بشكل ملحوظ .حاول آدم أن يعرف ما بها ،و لما القلق ؟،و لكنها أثرت الصمت مما أثار توتره ،فأرجأ مخاطبته لأبيه لليوم التالى .
         فى صبيحة اليوم التالى ،ذهب الى والده فى محل عمله بمتجر بيع الأجهزة الكهربية ،و بعد أن أنهى والده ما بيده ،أخبره برغبته بالزواج بى .هاج والده و ماج ،و أزبد ،و أقام الدنيا فوق رأسه ،و رفض بشدة دون أبداء أسباب ،ثم طرده من المتجر .فى طريق عودته الى المنزل أتصل بى ليخبرنى بما حدث .
عاد آدم الى منزله متأخرا فقد أخذ يسير على غير هدى حتى حادثنى ،و أتفقنا على أن نعمل ما نستطيع لنقنع والده .أستقبله والده بغضب ،و بدأ فى تقريعه ،و أهانته .لم يحتمل آدم أهانة والده له و أصراره على الرفض ،فواجهه بحبه لى ،و أنه كما تزوج أمه و قد تحدى الجميع ليتزوجها ،فكيف يمنعه حقه فى أختيار شريكة حياته ؟.كانت هذه أول مرة يواجهه فيها ،فما كان من أبيه الا أن قام بصفعه بشدة أمام الجميع .صرخت أمه ،و أخذت تبكى .ترك آدم البيت على غير هدى .ركضت سلمى الى زوجها عمر ،و طلبت منه أن يلحق بأخيه ،أما والدته فقد أخذت ترجو أبيه ليقبل فقام بسبها و أهانتها .
لحق عمر بأخيه آدم ،و كان عمر يعمل مدرسا ،و ذو صدر متسع ،و لكنه كان أنهزاميا .أخبره بأن سبب رفض أبيه لزواجه بى لأنه قد خطب له أبنة شريكه أثناء سفره ،و هو لا يقبل بكسر كلمته ،كما أنه يريد توحيد رأس المال بتلك الجيزة .جن جنون آدم ،و قرر عدم العودة الى المنزل ،و ذهب الى شقته فى سان ستفانو .و لكن كان فى أنتظاره مفاجأة قاسية جدا .
ما أن أقترب من باب العقار الذى تقع فيه شقته منعه حارس العقار ،و أخبره أن والده أمرهم بمنعه ،على الرغم من أن الشقة بأسم آدم .لو يستوعب آدم ما يحدث ،و أصر على الصعود الى شقته ،و قبل أن يتمكن أقبلت سيارة الشرطة التى تقوم بجولتها اليومية ،فترجل الضابط منها ،و كان صديقا لآدم .أستمع بهدوء لما جرى بين آدم و الحارس ،فقال لآدم :” يمكننى أن أمكنك من شقتك ،لأنها باسمك ،و لكن هذا يزيد مشكلتك مع والدك تعقيدا .نصيحتى عد الى منزلكم ،و حاول أن تحل مشاكلك مع والدك “
        وجد آدم نفسه مجبرا على العودة الى منزله .كانت الساعة تعلن تمام الثانية صباحا عندما دخل آدم الى منزل عائلته ،وجد والدته تنتظره ،و هى تبكى .أحتضنها ،و قبل رأسها ،و طلب منها أن تخلد الى النوم .كانت ليلته مسهده ،رفيقه فيها الحزن .يعزف فيها الألم على أوتار قلبه ،و يرقص العذاب على أشلاء روحه الممزقة .كان يعد الثوانى لشروق الشمس حتى يحدثنى ،و يبثنى أوجاعه .أقبلت الشمس متكاسلة ،كدب الكسلان الذى لا يريد أن يستيقظ .سقط شعاع خجول من النافذة على وجهه ،فركض الى خارج المنزل و يسير على غير هدى ،فأخذته قدماه الى باب منزلى ،و أنتظرنى ثلاث ساعات حتى موعد ذهابى الى الجامعة .فوجئت به يتحرق شوقا للقائى ،شاخ بصره ،لا تطرف عينيه المرهقة من عدم النوم ،معلق بصره بباب منزلى .قطعت تلك الخطوات التى تفصلنى عنه فى قفزة ،و سألته بفزع :” ماذا بك يا آدم ؟، أخبرنى بالله عليك .ماذا حدث ؟”
        قص علي كل ما مر به بينما نحن فى طريقنا الى الجامعة ،و مع كل حرف يحكيه تتسع عينى ذهولا ،و فزعا .يا اللهى ماذا يحدث معه ؟، كيف أمكنه تحمل كل ذلك ؟، ما هذه القسوة التى تجسدت فى قلب والده ؟. حاولت أن أخفف عنه ما مر به ،و أفكر معه ماذا نفعل ؟. و أثناء حديثنا أتصل به صديق والده ،و أخبره بأن يعود الى المنزل حيث ينتظره مع والده و عمه . تركنى على عجل ،و وعدنى بالأتصال ليطلعنى على المستجد من أحداث.
         كان والده قد أتصل بأخيه الأكبر ،و رفيق عمره يشكوهما آدم ،و كيف أنه رفع صوته عليه ،و تحداه .لذلك أقبلا سريعا ،و الغضب المخلوط بالدهشة يتملكهما .ما أن دخل آدم عليهم ،حتى هب عمه معنفا أياه على تجاوزه و تجرؤه على أبيه .نكس آدم رأسه معتذرا ،و طلب أن يقص عليهما ما حدث .و كأنما أمسك آدم بعصا سحرى ،و أبدل كل شىء .بمجرد أن أنهى آدم حديثه حتى وقف عمه غاضبا ،و أخذ يعنف والد آدم على تعنته ،و أرغام آدم على الزواج من أبنه شريكه .أيد صديق والده رأى عمه ،فما كان منه الا أن صرخ فيهم قائلا بغضب محموم ،و غيظ مكتوم :” أنه ولدى أنا ،و ليس من حقكم أو أى شخص أخر أن يتدخل بينا ،و أنا هنا من يقرر ماذا يفعل ،دون غيرى ؟”
أعتبر عمه و صديق والده أن هذا الكلام بمثابة طرد من المنزل .فما كان منها أن تركا المنزل غاضبين ،و آدم يجرى ورائهم محاولا أمتصاص غضبهما .لحق بهما آدم قبل أن يركبا سيارتهما و يرحلا ،فأمسك بكتفه صديق أبيه ،و قال له بحنان ،و عطف جارف :” لن يقبل والدك بزواجك من محبوبتك مهما فعلت ،فأصرف نظر عن زواجك منها “
شكره آدم لأهتمامه ،و نصيحته ،و أخبره أنه لا يمكنه الزواج بغيرى مهما حدث ،و لن يتنازل عن الزواج بى ،حتى لو قتلوه .ثم ودعه ،و ذهب الى البحر ،و جلس أمامه يفكر ،و قد أغلق هاتفه الجوال .تنازع البحر مع التفكير على سرقة ساعات طوال من عمر آدم .حتى قارب الفجر على البزوغ دون أن يتوصل الى حل .كان يبغى أن يتزوجنى بعزة ،و كرامة ،كأميرة تخطب من بيت الكرام لتزف الى زوجها برأس مرفوعة بين الناس .كان يتمنى أن يكون فارسى الذى يخطفنى من جميع الذين رغبوا فى الزواج بى ،و يفوز بى لأخر العمر .و لكنه والده أبى أن يلبى رغبته ،فماذا يفعل ؟، هل يرضخ لرغبته و يتركنى ؟، أم يصر على ،و يتزوجنى حتى و أن رفض ؟. أرتفع صوت أذان الفجر ،فنفض عن رأسه كل ما يشغله ،و أنطلق لأقرب مسجد ليصلى و يفوض الأمر لله .
قبيل الساعة العاشرة صباحا أدار آدم مفتاحه بباب المنزل و ذهب رأسا ليعد حقائبه ،سيقطع إجازته ،و يعود الى عمله كمهندس بحرى .حاولت أمه و سلمى ثنيه عن ذلك ،لكنه أبى بشدة ،ثم أتصل بى ليخبرنى بقراره ،و الذى أبدله بعد مناقشتنا بعشر دقائق .تملك العجب من الجميع لتبدل رأيه السريع ،و حاولت سلمى أن تعرف السبب ،فأخبرها بأنى السبب ،فرجته أن يعرفها على و قد تم ذلك ،و أصبحنا صديقتين من فورنا .لم تمر الليلة على خير فقد أقتحم والده غرفته فور عودته ،و قام بضربه ،و سبه لأنه تسبب فى مشكلة بينه و بين أخيه و صديقه .كان آدم صموتا يتلقى كل شىء دون أن يهتزر له  جفن ،كان راسخا كالجبل .أقبلت أمه ،و أخيه على صراخ والده ،و أقنعاه بترك آدم بصعوبة بالغة .كان شعور المهانة ،و الذل يحرق جوفه ممزقا روحه و مشعلا نارا فى قلبه .فما كان منه الا أن جمع أغراضه ليرحل ،و لكن قبل سفره أخذ يبعث لى رسائل بأنه لا يحبنى ،و أنه كاذب ،و أنه خدعنى ،و أتخذنى لعبة و تسلية يسرى بها على نفسه .كانت رسائله تحمل قدرا قاسيا من العذاب .لم أصدقه ،و رددت عليه بأستفزاز ليتصل بى ،و قد فعل ،و لكن و يا لهول الصاعقة ،أنه يبكي كطفل يتيم ضائع بصحراء يبحث أن الأمان فى أى شخص فلا يجده .قتلنى بكاؤه قتلا ،و كأن كل دمعة تسقط من عينيه تحرقنى ،و كأن كل شهقة تخرج من صدره تمزق قلبى .كان يكذب ،و يكرر بين دموعه ليخبرنى بأنه لا يحبنى ،و هو العاشق المتيم الذى يغار من نسمة تلامس خدى .لم أصدقه ،و لن أفعل ،و أستحلفته برب الكعبة ،فأبى  ،و أخذ يبكى بكاء أم ثكلى على وليدها الذى مات بين ذراعيها .لم أستطع أن أحتمل بكاؤه ،لقد حولنى لكومة من الاطلال الخربة ،و لكنى لم أستسلم لذلك ،فوجدتنى أطالبه بالصبر ،و أعده أن أظل له لأخر العمر ،و أرجوه أن يأكل شيئا من طعام ،و هو الزاهد فيه منذ أيام فرفض ،و أغلق هاتفه . لم أحتمل تركه هكذا فطلبت سلمى ،و رجوتها أن تطلب من عمر أنقاذه ،و أستحلفتها أن تطمئننى .فأسرعت سلمى نحو عمر الذى ركض ،و أمه وراؤه الى غرفة آدم ،و حاول فتح الباب فوجده مغلق ،فطرقه بشدة ليفتحه آدم دون جدوى ،فكسر الباب ،و دخلوا عليه ليجدوه متكورا حول نفسه كهرة صغيرة ترجف فى ليلة شتوية عاصفة .أمر عمر سلمى أن تأخذ والدته الى خارج الغرفه ،أما هو فأحتضن أخيه مهدهدا .أسرعت سلمى تنفذ أمره ،ثم أتصلت بى لتطمئنى .بينما ظل آدم بحضن أخيه لساعتين ،و أخوه يهدهده ،و يقرأ القرآن بأذنه ليهدئ .
       أقبل الفجر سريعا فحمل آدم حقيبته ليترك المنزل ،فأستوقفته أمه فأخبرها بأنه لن يتزوجنى ،و لكن لا يحدثه أحد فى أمر زواجه فهو لن يتزوج أطلاقا . أغلق آدم كل وسائل الأتصال به ،و لكنى علمت كل شىء من سلمى .لم تحتمل والدته عذاب أبنها ،فأتصلت بأخوتها ليحدثوا زوجها و يقنعوه .فلبوا طلبها و ذهبوا اليه فطردهم شر طردة من منزله .أنها القشة التى كسرت ظهر الحمار ،فأخذت تصرخ بزوجها قائلة :” لن أتركك تدمر ابنى ،سأخطبها له بمعية أخوتى .”
ما أن أنتهت من جملتها حتى أنهال عليها ضربا حتى سال الدم من رأسها ،و حلف عليها بالطلاق أن تمت زيجتنا دون رضاه ستصبح طالقا منه .و لتكتمل المأساة كانت هذه الطلقة الثالثة ،بعدها تطرد الى بيت أحد اخوتها . علمت بما حدث قبل آدم ،و الذى جن جنونه ،كيف يبتذه بأمه ؟، يا للقسوة هل هانت عليه العشرة لتلك الدرجة ؟.
       كادت الصدمة تطير بصوابى ،فما بالنا بآدم نفسه .مرت الايام رتيبة أنازع فى كل ثانية منها ،و آدم مصر على الغياب حتى ذاك حادث السيارة التى تسببت فى بعض الكدمات و الرضوض ،و أخبرت آدم فأتصل بى من عرض البحر ليطمئن على .ظللنا نتحدث لساعة كاملة ،و لكنه أصر على الفراق لأنها لا يشعر بأنه رجل أمامى ،فقد خذلنى ،و لم يستطع أن يفى بوعده ،حاولت أن أثنيه دون جدوى .أخبرته أنه زينة الرجال ،و أنى لا ألومه ،و أنى صابرة ،فرفض لأجل أن أتزوج بغيره ،و أعيش حياتى ،لا أنتظره و هو عاجز عن الزواج بى ،و أمرنى بقطع علاقتى بسلمى حتى لا أعرف أخباره .رجوته أن يتركها لى فهى صديقتى ،و أختى فأبى ،فأمتثلت لأمره .فودعت سلمى بدموعى التى أخطلت بدموعها ،و التى وعدتنى بأن تطلق على أبنتها اسمى .
يا الله هل هذه نهاية قصتى ؟، يا الله ما هذا العذاب الذى يجتاحنى ؟، أنى أموت ببطء ،لا أمل لى فى تلك الحياة ،فقد أخذوا منى روحى بقسوة ،و سفكوا دمائى ،و مزقوا قلبى ،و أقاموا حفل سمر على أشلائى .
يتبع

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .