نكهات صوفيا – نكهة مصرية – الجزء الثالث – صفاء حسن العجماوي

0 908

نكهة مصرية (3)
          مرت الأيام علي كمرورها على تمثال حجرى لا يضيره شروق الشمس ،و لا يعنيه ظهور القمر .فلا معنى لكلمة ضوء عنده ،فهو لا يعرف الا الظلام .صرت كمنحوتة شمعية باسمة لا حياة فيها ،يحسبها الناظر فرحة و هى لا تعرف معنى الفرح .مر علي شهر كامل كنت خلاله أتصرف بآلية تامة .كان آدم يحبس نفسه فى العمل ،و لا يعود الى البيت حتى يجبر نفسه على الغياب ،و لكن بعد مرور الشهر لم يحتمل غيابى عنه ،فعاد ليطمئن على ،و عرفت منه أنه طوال الشهر لا ينفك يحاول أقناع والده دون جدوى.
         عادت الى الحياة بعودة آدم ،كبذرة جامدة فى تربة جافة أرتوت بالماء فأزهرت .أستمرت محاولاته لأقناع والده بشتى الطرق من أجتماع بالعائلة و الاصدقاء ،لعدم العودة الى المنزل ،لغلق هاتفه لأيام ،لمناقشات طويلة ،لم يترك اى طريقة تخطر على باله الا و جربها .أنقسمت عائلته الى ثلاثة جهات والده الرافض لزواجنا ،و سلمى زوجة أخيه التى تباركه ،و تتمنى تزويجنا عاجلا غير أخ ،و عمر المحتار فقلبه مع أخيه ،و عقله يبعده عن المواجهة ،فى حين كانت أمه تبكى عليه ،و على حاله ليس بيدها شىء. كنت دائما بجواره لأخفف عنه ،و أشد من أزره ،الأبتسامة لا تفارق وجهى ،أمازحه طوال الوقت ،أطمئنه بأن فرج الله قريب .كان ضميره يعذبه ،و يجلده لأجلى ،فيشعره بأنه مذنب فى حقى ،و تحت وطئته يغيب عنى ،و لكنه لا يحتمل بعادى فيسرع الي .كنت أستقبله بعتاب خفيف ،ما يلبس أن ينتهى بكلمة أعتذار منه لنعود كما كنا قبل الغياب .ظللنا على تلك الحالة سافر دون سابق أنذار لمدة شهر .كنت أتجرع مرارة غيابه كل ثانية فتحرق قلبى و تنهش روحى لأعلق بين عالمين .و فجأة أتصل بى أخوه عمر ،و أستهل كلماته معتذرا على اتصاله بى ،ثم خيرنى قائلا :” دكتورة صفاء ،أن الوضع فى بيتنا أصبح على وشك الأنفجار ،و لذلك نحن بحاجة اليك لتنهى تلك الحالة ،فإما تقبلى بالزواج من آدم و تطلق أمى ،و فى هذه الحالة تحدثى الى آدم ،و أن وافق سأقف الى جواركما قلبا و قالبا ،و لكن ما ذنب والدتى لتطلق و تطرد من بيتها و هى فى هذا السن ؟. و أنا لا أخالك تقبلين بذلك .و إما تفترقا ،و فى هذه الحالة يمكنك أن تعيشى حياتك ،و تتزوجى بأخر ،و تسعدين بحياتك ،و آدم فليعنه الله على فراقك ،فهو يتعذب لذلك ،و لن يتزوج بأبنة شريكه أو غيرها ،فهو يعشقك ،و لن يقبل بغيرك .و الآن الأمر يعود لك ،ماذا أخترتى ؟”
صمت للحظات أتمالك فيها نفسى ،ثم أجبته بهدوء و رزانة :” الا تعرف آدم أنه يحبكم بشدة ،و خاصة والدته ،و لن يقبل بأذائها باى شكل ،و كذلك أنا فلا يمكننى أن أقبل بأن يمسها بسوء ،أما بخصوص وقوفك بجانبا ،فأنا لا أراك وقفت بجوار آدم فى محاولاته مع والدك ،فكيف بالله عليك ستقف معه الآن ؟”
أرتبك أخوه ،و أجابنى :” كلا لقد كنت دائما بجانب آدم ،و لكن أبى رجل عصبى قاسى لا يعطى أحد فرصة للحديث معه “
           شكرته ،و أنهيت الحديث بود ،ثم جلست لثلاثة أيام أبكى بشكل شبه متواصل .كنت أرى يعينى صورته و هو معذب ،و صوته الباكى يملأ أذنى .أنه جحيم أبدى ألقائى فيه عمر ،صدمنى بالحقيقة المجردة ،فأسباب الأرض ترغمنا على الفراق ،و ليس لى الا مسبب الاسباب رب العالمين لألجأ.
        مر شهر على تلك المحادثة ،عاد بعدها آدم من سفره ،و أعتذر لى على غيابه المفاجئ .وقع عقلى فى حيرة هل أخبره بمحادثة أخيه أم لا .أن أخبرته سيتعارك مع أخيه ،و أن سكت ،و عرف من غيرى لغضب منى لأنى أخفيت عنه أمر تلك المحادثة .أخذت أفكر مطولا ،ثم أتخذت القرار الذى وجدته صائبا سأخفى عنه الامر ،فعائلته لا تحتمل أنشقاق أخر .سأتحمل غضبه و ثورته علي برضى و لن أجعله يتعارك مع أخيه الأكبر .
تم نقل آدم الى موقع أخر يتطلب غيابه لعدة أيام ،كان الوضع بيننا على أحسن ما يكون .و فجأة أتصل بى يطلعنى أنه فى المنزل لأن والدته بحاجة الى أجراء عملية بعينيها حيث أصيبت بأعتام عدسة العين من كثرة بكائها .و أن والده قد أقسم أنه لن يقبل بى زوجة لأبنه حتى مماته ،و لذلك فهو يطلب منى مسامحته لما تسببه من أذى ،و يترجانى أن ألتفت الى مستقبلى ،و أنساه ،و أتزوج من يليق بى .كانت صدمة رهيبة لى فقد كان جاد هذه المرة ،و لا يتقبل منى اى كلمة فقد قرر الفراق لاجلى أنا .قرر السفر لأكمال دراسته بعد أن تجرى والدته تلك العملية .كان وداعا مرا قاسيا مدمرا ،تقبلته بهدوء لشعورى بمعاناته و عذابه ،و أنه يتمزق بين الواجب و الحب .رحل عنى آدم و لم يرحل منى ،يمكنه أن يغيب ،أن يرحل ،و لكنه سيظل نبض القلب ،و منى الروح ،و أنفاسى .
كادت الصدمة أن تودى بحياتى لولا لجوئى الى الله ،فأكثرت من قيام الليل و الدعاء بقلب ممتلئ بالثقة فى الله .مرت على الايام ،و أنا على عهدى مع الله .أربعة أشهر كاملة ،و أنا صبرة أحتسب ،و كلى ثقة بعودته لى زوجا . و أثناء عودتى من الجامعة ،و أنا أسبح ،إذا به أمامى ،و على شفته بسمة ثقة ،و فى عينيه شوق جارف .وجدت دموعى تنهمر على وجنتى ،ركض الي مسرعا ،ثم جثى على ركبتيه حاملا بيده اليمنى باقة من الزهور الحمراء و اليسرى علبة حمراء بها خاتمى خطبة و قال لى :” أميرتى الفاتنة ،هل تقبلين الزواج منى ؟”
أخذت أهز رأسى بالموافقة ،و دموعى تختلط بلسانى الذى يحمد الله على فضله .
بعد عودته بأسبوع كنت أنا و آدم بثياب العرس نركب سيارتنا لنتقل الى مرسى مطروح حيث سنقضى أيام زواجنا الاولى ،و كان فى وداعنا والده و والدته ،و والدتى ،و اخيه ،و زوجته ،و اختى ،و زوجها ،و صفاء الصغيرة ذات الشهرين .أسندت رأسى على كتف آدم ،أخذت أسترجع ما مر بنا ،و كيف شرح الله صدر والده لزواجنا ،و كيف بارك لنا زواجنا .
مر على زواجنا شهرين ،كانت كالجنة .الحب الذى جمعنا كان يكبر يوما بعد يوم .كالعادة يمر آدم ليأخذنى من الجامعة لنتنزه قليلا قبل العودة الى المنزل .اليوم قادتنا أقدامنا الى عمود السوارى ،الذى ما أن لمسناه حتى عادت الينا الذاكرة فأنا صوفيا الجحيم المدللة التى يعرفها الفانون بكينونة ،و هذا هو خوسيه حبيبى الذى تركت كل شىء لأجله .تذكرت تفاصيل كل ما مر بنا حتى اللحظة .
نظر الي خوسيه برقة ،و سألنى :”صوفيا ،هل تذكرتى كل شىء ؟”
هززت رأسى أى بنعم ،فأبتسم ،و سألنى :” و الآن هل تعرفين من أنا ؟”
نظرت فى عينيه بحب ،و أجبته :” أجل أنت خوسيه حبيبى و زوجى .أنت نبع الجحيم “
ضحك بقوة و قال لى :” يبدو أنك عرفتينى ،و لكن السؤال منذ متى عرفتنى؟”
بادلته الابتسام ،و أجبته :” الأن فقط عندما نظرت فى عينيك ،و أنا أتذكر كل شىء ،لقد أجدت التنكر “
أمسك بيدى ،و قبلها ،و قال :” صوفيا أنا أحبك ،و طالما أحببتك ،عندما أصررت على الذهاب الى أرض الفانيين خشيت عليك منهم ،فتنكرت ،و لحقتك ” .صمت برهة ،ثم أردف :” و الآن صوفيا .هل نعود الى أرض الجحيم ؟، لن يكون هناك ضرر علينا ،أم نظل هنا فى مصر ؟”
أجبته بحزم :” بل نبقى هنا ،أعلم أننا ما أن نترك هذا المكان حتى سننسى كل شىء عن ماضينا ،و سنحيا صفاء و آدم الفانيين المتزوجين السعيدين ،لقد أحببت ذلك حقا “
أبتسم لى قائلا :” و ماذا عن السفر حول العالم صوفيا ؟”
ضحكت ،و أنا أجيبه :” ستكون الحياءة رائعة مع آدم سواء سافرت صفاء أم لم تسافر ” ثم أطرقت خجلا ،و أنا أقول :” أحبك آدم “
ضمنى بين ذراعيه ،و قال :” أعشقك يا صفاء ،يا مهجة القلب ،و قرة العين”
تركنا المكان فى رحلة عودتنا الى منزلنا ،و أيدينا متشابكة ،و أعيننا تتبادل كلام الحب الطاهر ،و ذكرياتنا تتبخر بسرعة ،و أبتسامتنا تتسع .
أنتهت

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .