عالم تعشقه الأقلام

قلادة – قصة قصيرة – لـ مؤمن عواد

2 189

ما أنت يا عزيزي إلا صفحة ثقيلة ارهقتني و أنا أطويها اخذت من الوقت و الجهد ما يزيد عن قيمتها ، حتى تلك القلادة التي عانقتني منذ أن أهديتني إياها في يومٍ جميل بعد نُزهةٍ رائعة قد خلعتها بالأمس و كأنني أزيح عن عاتقي جبلاً من الحديد ، فاستمتع يا صغيري برحلتك الطويلة في طيات الماضي في غرفة الذكريات الغير مرغوب في تذكرها ، كان بإمكانك أن تظل ملكاً مع قلب مثل قلبي لكنك غويت العبودية . استودعك سراً ، فلم أكن أتوقع أن أكتب عنك يوماً بهذا الشكل فطالما كتبت عنك في الصور المحببة حتى أثرت فضول البشر لمعرفة من أنت ، من ذا الذي كتبت من أجله كلمات غزلها قلب رقيق مُحب ؟ ، و ها أنت لم تلبث و بدأت البحث من جديد عن قلب توهمه حبك ، و لجبروتك بحثت في دائرة معارفي و لا أعرف إن كان وراء هذا نية خبيثة لإشعال غيرتي أم لا ، بات الأمر عندي سيان فلم تعد تهمني في شيء ولم يعد تتبع اخبارك بالشيء الذي يستهويني . حتى إنني كرهت ذاك اليوم الذي وجدتك به ، يوم بعيد أراه كإنه بالأمس .
*************
تعثرت به فاصطدمنا و تلعثمت ، اعتلى الخجل وجهه و ربت على خصري ثم جذبني إليه شممت رائحة عطره كالطفلة أنا امامه ، تشابكت أيدينا ثم ارحت رأسي على صدره ، تماماً عند قلبه سمعت نبضاته و هي تحادثني :
-أيتها الغريبة القريبة المريبة ، لا تحسبيني مجذوباً أراقص جميع النساء في الطرقات . فقط تعلمت تلك الرقصة من أجلك و من أجل تلك اللحظة ، كنت اعرف انها آتيه و دائماً أسير اتلفت حولي استعداداً لها لكنني لم استطع أن اراها بهذا الجمال من ذي قبل
شعرك الأسود كالليل الساحر ، عيناكِ بحر يغرق من يبحر فيه عشقاً ، أنفكِ ما هو إلا جسر للعبور بين الحياة الفانية و الأبدية جسرٌ للجنة ، تلك التي بابها هو فمك
بابٌ صغير لا يسع غيري كي يسقيني العسل المُقطر منه .
حورية أنتِ يا جميلتي تُخرجي نوراً .
فرردت عليه ….
مهلاً أيها القصير ، ما تحكيه هو توارد خواطر فأنا أنتظرك مذ ولادتي . لم يستطع أمير دخول مملكة قلبي قبلك
دائماً أراك في أحلامي كما أنت الآن فحلٌ ، قامتك الطويلة تجعلك قادرٌ على إمساك السحاب بيديك . جسدك ذلك الذي إذا دخلت لاختبيء به لن يستطيع أحد العثور عليّ ، شعرك طويل يصل إلى كتفيك مغوار أنت تقتحم دائماً أحلامي كاقتحامك الآن ليقظتي . عيناك ثاقبتان تبعثا لي الآمان . يداك التي تحيط خصري تكبلني و لا أريد الفرار فحضنك هو موطني الأصلي الذي ضللت الطريق عنه منذ كنت طفلة . *************
قلمي لم يعد يشتهي الحديث عنك لأوراقي و لكن أمراً حتمياً أن أسطر ما حدث و ما فعلته بي كي يتعظ قلبي و يظل متذكراً ذلك الجرح العميق الذي حفرته بيديك ثم سكبت بداخله رحيق عسلك المر كي يزداد ألماً و وجع .
سأخلع قلبي بجرحه و سأنسى أنك أنت سأكتب الأمر و كأنني أرى المشهد من بعيد .
بعد ذلك اللقاء السحري أصبح لقائنا يومياً و من اليوم للذي يليه يزداد اشتياقي إليك ، رائحتك اصبحت تحاصرني في كل ركن اشمها اينما ذهبت ، اشعر بوجودك في كل مكان . تتعانق أعيننا بدلاً من أجسادنا ، لا أريد أن اتركك مسلمس يديك يا عزيزي كان يسحرني يأسرني ينسيني العالم حولي اسبح معك في عالمك الخاص الذي لا تخشى فيه شيئاً و لا شخصاً .
ظننت نفسي كثيراً لا يهمني أحداً لكن بعد أن عرفتك تيقنت انني لم اعرف الحرية و التحرر يوماً .
معك يا صديقي حُطمت أسوار لقلعتي الخاصة التي بنيتها و ساعدني فيها أبي و المجتمع حولي . أصبحت انت الملك و كل من فيها خُدامك . أنت صاحب الرأي و الأمر لا أحد يستطيع أن يخالفك في شيءٍ حتى أنا .
أنا القوية بتُ ضعيفة عندك .
******************
رائحتك دائماً ما ترتبط بالبحر فكلما شممت يوده تذكرتك و كلما شممت يدك تذكرته لذلك لجأت له حتى استحضرت و استطيع الكتابة عنك ….
أتذكر يا عزيز القلب كم مرة مشينا متشابكي الأيدي على ذلك البحر ، كم من الذكريات شهد.عليها بيننا ، تلك الرسائل التي كتبناها ثم حفظناها في زجاجة و القيناها لتلتهمها الأمواج . تُرى إلى أين وصلت الرسائل ؟ و إلى أين وصلنا نحن ؟
كل من رآنا قال :
أهناك حبٌ بهذا الشكل !؟ بهذا الجمال !
****************
أتذكر جيداً صديقتي تلك التي حكيت لك عنها و نصحتني أن أبتعد عنها حينما جائتني و قالت :
هنيئاً لكِ به رجلاً ، و بذاك الحب ، فبنات حواء أجمعين يتمنين و لو ربع هذا الحب .
ضحكت حينها و حمدت ربي على نعمته و هديته التي تتمثل فيك .
كم من مرة قلت لك فيها أنك هدية الله لي ؟ ، ولكني لم أكن أعلم أنك عذابي في الأرض .
لم أكن أعلم أن ما أعيشه الآن هو فترة مؤقتة و ستزول حينما تمل .
هل حقاً مللت مني ! كنت دائماً تخبرني أنه لديك عادةٌ سيئة تسمئها و هي انك حينما تحصل على شيء تمنيته كثيراً لا تلبث حتى تمل منه لكنك أخبرتني إنك لن تمل و إنني ليس بشيء بل أنا كل شيء بحياتك و أهمها .
ألم تذكر حينما أخبرتني إنه الآن فقط علمت إنك طيب و لما سألتك كيف ؟ أخبرتني أنتِ طيبة و الطيبون للطيبات ، أتذكر ذلك أم تراك نسيتني شخصياً ؟
*******************************************
نسيتني حينما انتابتك عادتك السيئة تلك التي طالما خشيتها لكنني لم أتوقع أن تأتي بهذه السرعة …
أتذكر يوماً بكل تفصيلةٌ فيه ، وعدتني بنزهةٍ مُختلفة و أوفيت بوعدك كعادتك اصطحبتني إلى كل الأماكن التي أحبها تقريباً و قد وجدتها ذات طعم مختلف لذيذ بصحبتك و ذهبت بي إلى أماكن لم أعهدها و أحببتها لحبك لها ، منتصف اليوم كنّا نتناول الغداء و اتسخت يداي فابتسمت ابتسامة خبيثة و أعلنت انه قد حان الوقت و لما سألتك : أي وقت !؟ اشرت بيديك ان ابقى على وضعي هذا فبقيت . شعرت بيديك تدور حول عنقي و بعد أن فتحت عيني رأيت الجمال و الأناقة مجتمعين في قلادة رقيقة تدلى منها دائرة يتخللها فص أزرق يسر الناظرين .
*****************

ضحكتي البلهاء أعتلت وجهي و أثناء ذلك كنت توصيني ألأ أخلعها أبداً و من ذاك الوقت لم أخلعها لكنه قد حان الوقت لذلك و كما كنت أنا فترة في حياتك و انتهيت حينما مللت فقلادتك جزء من حياتي أخلعه كي احاول العيش أما عنك يا صغيري فسأدعي ربي كل ليلة أن يبقيك في ذهني و قلبي و ألا يُبقيك فأنا لا استطيع ألا أفكر فيك و لا اقدر أن أُكمل حياتي و أنت أمام ناظري .
ماذا فعلت بي أيها القيصر ، هلُم أخبرني مهما كان السبب قاسي سأتحمله لكني أرجوك لا تقل لي أنك مللت . لا تقل إنني كنت كأي شيء مر بك .
أُحادثك فتتجاهلني لم يعد لديك ذاك الشغف للقائنا اليومي ، سئمت تصرُفاتي التي احببتها ، عينيك يا عزيزي لم أعد أراني فيها ، سألت مراراً هل تغير ما بداخلك تجاهي ، فتنُهرني و تثور و تشتاط غضباً فكيف لي أن أفكر في أمرٍ كهذا . و فيما بعد عرفت ما سبب ثورتك فكنت تكره أن تكون مفضوح الأمر أو أن تركك حينما أعرف ما تغير هكذا سأفسد عليك لعبتك ومتعتك فقد أعتدت إنك من يترك الشيء و أنت الذي تمل ليس الطرف الآخر …..
**************
كان صوتك هادئاً حنوناً في مكالمة ليلية شهد عليها القمر و نجومه كنت الأمير الذي يتفقد قلعته فسألتني عن كل شيء في يومي و هل ازعجني شيء و ماذا فعلت و مع من تحدثت ثم ….. طعنتني
-اسمعيني يا قلب القلب ، أنا الآن في حيرة من أمري لا أُنكر حبي لكِ بل عشقي يا سيدتي و لكن لا استطيع أن ابقى جوارك لن اتركك سنبقى صديقين حميمين سأكون هنا أينما احتجتيني سأكون المستمع و الصديق الحق كي أساعدك على تخطي أي عرقلات في حياتك .
لا تفكري في لحظةٍ إنني لا أحبك لكني اظن أن بُعدي سيكون أفضل لكِ سأرحمك مني و شري . نعم ، أنا شر بالنسبةِ إليك و شرٌ على نفسي .
لم أرد فبما سيكون الجواب !؟ هل أترجاك !؟ اتوسل ألا تتركني!؟ أسُبَّك و أقول إنك أحقر الرجال!؟ أخبرني ماذا أفعل ؟ فأنت الذي ألجأ إليه دائماً في مصائبي أما الآن فلمن ألجأ و أنت مصيبتي ؟ .
ابتسمت و صمتُ لبرهةٍ ثم استودعتك الله الذي لا يضيع ودائعه .
***************
نمت أو ظللت مستيقظة مر الوقت سريعاً أو كان كسلحفاة تتباطىء في مشيها لا أعلم فلم أشعر بشيء و تواً ما شعرت بنور الله يتسرب إلى غرفتي و قد طلع الصبح أمسكت هاتفي كي أُحادثك ككل صباح وفي آخر لحظةٍ تنبهت لنفسي و تذكرت ما حدث بالأمس فألفيت هاتفي و أجهشت بالبكاء . لا لم يكن بكاء بل كان سيل من الدموع أو بركان قد أنفجر للتو المرة الأولى التي أبكي بحرقة و يسمع بكائي أحداً . دخلت أمي مسرعة مفزوعة على فلذة كبدها حاولت تهدئتي و فهم الأمر فلم استطع أن افهمها و نمت . لكم من الوقت نمت ؟ تقول أمي أنني نمتُ ليومين ، أقوم فجأة أصرخ دون سبب و أبكي ثم أنام فجأة و لما استيقظت كان على صوتك كي تطمئن عليّ . أفيك أن تخبرني من أين هذا الجبروت !؟ الآن أتوسل أن تقول كيف لك أن تكون بهذه القساوة ؟ .
حادثتك كأنني طفلة رأت أمها بعد طول غياب نسيت كل شيء لسماع صوتك و سرعان ما صدمتني مرة أخرى فأنت تتصل لتقول :
خشيت أن يكون قد أصابك سوء .
أنت السوء الذي أصابني يا آدم ، حواء أخرجت أبونا آدم من جنة الله و أنت أخرجتني من جنة الله على الأرض وسوس لك شيطانك لكي تعتبرني شيء و تسئمني فاستجبت له بكل سهولة .
*****************
فكم أنت ضعيف مثلي أو ربما أكثر ضعفاً و أقل حيلة .
مرت الأيام عليّ ثقيلة أو خفيفة لا أتذكر فكلها أيام أقضيها لتنتهي حياتي . إتصالك الدوري كل بضعة أيام كان يستفزني ، يُرهقني و يعذبني تقول الكلمتين المحفوظتين و تغلق الهاتف لتعتصر قلبي و يزداد ألمي .
يوماً ما استيقظت مفزوعة فطلبت رقمك مسرعة ليأتي صوتك ضعيف و أخبرتني إنك ليس على ما يرام فقد أصابك تعبٌ ما ، لمعت عيناي فهل كان إنتقام الله لي بهذه السرعة و لكن لم يطاوعني قلبي و حاولت تهدئتك و ظللت اهاتفك دائماً حتى مثلت للشفاء لكنك طلبت رؤيتي كي يتم الشفاء الكامل .
تراني ! بأي شكل و لأي سبب
***************
تهيأت كالعروس ليلة زفافها كي لا أُظهر لك إنني مكسورة و ارتديت نظارتي التي خبأت الكثير لم ألمس يداك رغم إنك مددت يدك اكتفيت بابتسامة و جلسنا و ما زلت نظارتي تحميني لكنك فجأة دون سابق إنذار خلعتها فتلاقت أعيننا ، هل ارتجفت حينها أم أراني أتمنى ؟ هل ندمت عما فعلته بي أم لم أعد أهمك ؟
لم تنطق فقط اكتفيت بالنظرة و لا أعلم لماذا يا عزيزي شعرت بكل كلمة تريد قولها . سمعت الثورة بداخلك أردت تصديقك لكنني أعتذرت و غادرت .
لم يمر الشهر و علمت إنك أحببت مجدداً فكنت أتتبع أخبارك بشغف ، لا أخفيك أمراً صُعقت حينما سمعت و لكني أعلم إنك لن تلبث الكثير و بالفعل لم تُكمل سبعة أيام و كنت تهاتفني لتخبرني إنك ندمت عما فعلته بي و تريدني أن أُسامحك و يعود الأمير لقلعته . و لكن يا صديقي نسيت أن الأمير من أستغنى عن قلعته و لا يحق له العودة لها بعد أن تركها صيد سهل للعدو .
رفضت أنا و كررت محاولتك أنت و لم تسئم مرة و أخرى و أخرى تحدثني و صوتك متحشرج من البكاء ، تبكي بحرقة و تولول كما تفعل النسوة لكن قلبي قسى و كرامتي لن تُهان ثانيه . فصمت أنت و بكيت ها أنا في حيرة من أمري هل أصفح عنك و أقبل الصفعة التي أعلم إنها تأتي مرة أخرى أم أحفظ كرامتي و أتألم . و اخترت الثانية و حينما لم تجد مني رداً تريده قررت البحث عن فريسة جديدة و لجبروتك يا قيصر بحثت في دائرة معارف قلعتك المهجورة يا أمير و قبل أن تفعل تركت لي رسالة أعتقد إنها كُتبت بدمك
“قلعتي أحببتك أكثر من ذاتي لكن فعلت ما فعلته خشيت عليكِ مني فأنا الشر كله و أنتِ نبع الخير ، أعلمي إنني مهما أحببت و حتى إن تزوجت فلن أحب أحداً كما أحببتك يا بنت قلبي “
لكن رسالتك.لم تُغير شيئاً و ها أنا أكتب الآن
“و ما أنت يا عزيزي إلا صفحة ثقيلة أرهقتني و أنا أطويها أخذت من الوقت و الجهد ما يزيد عن قيمتها….”

  1. محمد سعد يقول

    عودًا حميدًا يا اخ مؤمن وبالتوفيق فى اللى جاى ان شاء الله

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .