قصص قصيرةقصص وروايات

جزاء وفاقا – قصة قصيرة – لـ أحمد جمال إبراهيم

جزاء وفاقا

أمشي في خبث وصمت، مرتديًا ثوب الكبرياء، على جذع مبلل يسقف غرفة ريفية قديمة، وأسفلي مباشرة نار تدفئة تتأجج، وبجانبها رضيع..

طيلة حياتي أختبئ في جحور بالأسقف، أتجول الحوائط وأصطاد الفرائس، لم أتعثر خلال هذا العهد المضني، الذي ملأته بالجرائم، وتسببت في إحداث الكثير من الصراخ، للحيوان قبل الإنسان، والآن أنزلق، وجسدي الهاوي يتحسس حرارة النار، ثم يستقر في منتصفها الخاوي، أرى اللهيب يطوف حولي في دائرة، إلا من معبر محفوظ يمتد أمام مرمى بصري، كان هو السبيل الوحيد للخروج..

كان المشهد كالمصيدة المُحكمة، أقدامي لا أقوى على تحريكها نتيجة الرعب الذي يعتريني، وثَمّة صوت متكلم يأتي من الحسيس، يطوف بأسماعي:

– اليوم تجزى على ما اقترفت من أعمال

لم أصرخ بالدفاع أو أظهر الإنكار، أعلم يقينًا أني مذنب، فلم أجد الداعي لإبداء ما يقلل من كبريائي، مشيت خطوة على الطريق الممهدة للسبيل، فهاجت النار، واستحال الحسيس إلى لظى، وارتفعت الحرارة أكثر، ففهمت، وأدركت المطلب، أرخيت أنفاسي المرتعدة، ونظرت في الجسد المستلقي بجانب النار، قلت:

– أوليس لي نصيب من غفران؟!

كان بكاؤه يثير شهوة اللّدغ لدي، لم أجد أحدًا بجواره، أخذت أحوم حوله لأجد مكانًا مكشوفًا، فلم يغرِني جزء في جسده أكثر من عنقه الصغير، فصعدت فوق ذراعه ومشيت إلى صدره، فلما رأتني عيناه اللامعتان هدأ، فتح ثغره بضحكة بريئة، لوهلة أحسست بلذة أخرى مختلفة، تلاشت مبادئي، ونسيت نفسي، وتملكتني رغبة في دغدغته لأسمعه يضحك أكثر، وتوارد إلى ذهني أن أتخذه لي صديقًا، غير أن ذراعه المتحركة ببطء فاجأتني، ويده التي كادت تقبض على ذيلي قطعت الشك بمحاولته للامساك بي، والتخلص مني، ذلك الوحش الصغير، راوغته، ونظرت في وجهه فبدا ممتعضًا، وأغلق عيناه شروعًا في البكاء، فبكى، ولاحت دموعه في ناظري، ثم بدأت قدماه ترفس وترفس، ورأيت كفّ يده تتكور، شعرت بأعصاب الغضب تنتشر في كامل جسده، فأنّبْت الضمير، وعاتبت النفس على تصديق تلك البراءة الزائفة، حالفني الحظ وتفاديت ضربة قاتلة، لم أجد سبيلًا لإنهاء هذا الوحش سوى توجيه الضربة المرجوّة، رفعت ذيلي ووجهت هدفًا للمسنون، ثم جريت سريعًا وطعنت الطعنة الأولى، ثم الثانية، فدوّى الصراخ متهدجًا بنغمة أشعلت اللذة في داخلي، ثارت قوتي وتحمّستْ دوافعي، فطعنته حتى العشرة، ومعها سكن كل شيء فيه.. هربت لأصعد إلى جحري، فبدأت أرى ظلال الألسنة تتلوّى فوق الجدار وفوق جسدي الذي يسير عليه..

– اخلع عنك كبرياءك واتشح بالتوبة وعش ما تبقى من حياتك في سلام، هذا غفرانك لو شئت.

داهمتني نوبة ضحك، فقدمت جوابًا قاطعًا:

– عقارب الأرض لا تتوب يا هذا، تُقتل فقط!

أُغلق السبيل، وعلا صوت الحكم بالحرق حتى الموت، لكني لن أقبل الموت ذليلًا تحت وطأة الحرق، بل سأموت محتفظًا بكبريائي، رأيت دائرة النار تقترب مني رويدًا رويدًا، فأدركت أن الوقت قد حان لأحصد آخر روح في الدنيا، رفعت ذيلي، ووجهت المسنون الأسود، وهويت بكل قوتي موضع قلبي، ثم فرغت مخزون السم كله، وجلست أضحك، حتى شُلّ جسدي، وطفقت عيناي تنغلقان على النار المقتربة..

تمت

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “جزاء وفاقا – قصة قصيرة – لـ أحمد جمال إبراهيم”

  1. جميل الاسلوب فى الطرح والوصف الذي الذي يشوبه الغموض طول الوقت ليجعل القارىء مترقب طوال فترة القراءة ..قلم متميز ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق