مذكرات روح – المذكرة الثانية – لـ بسمه موسى

0 325

تلك الأوقات..

حين كانت أُمّي تفتحُ قلبَ مكتبتها أمامي.. و تبحثُ في نَهَمٍ عن حَرفٍ باهِرٍ يحملها على جناحيه.. و نَغَمٍ مَرمَرِِيٍّ تَتَدَثُّرُ بِه..

لم تكن تعلم أني أُحَلِّقُ معها..
و أن مَعزوفَتي تُكتَب..
و أن قَطَراتَ المَطَرِ قد بَدَأت رحلتها على نافِذَةِ قَلبي..

حينَ كبرتُ قليلا .. و صارت الهدايا ذات الغلافِ و رائحة ِ الوِرِقِ تُسعدني أكثر من الهدايا الدَبقة برائحة الفواكه.. أو ثِيابِ الدُّمى و التماعَةِ أعيُنها البلاستيكية..
لم أَكُن أعلَم أنَّ عالمي يَتَكَوَّن..

حينَ كبرتُ أكثَر.. و صار الإبحارُ بينَ لُغات التعبير و النُّطقِ و الإحساس يأخذ أنفاسي.. لم أكن أشعُر حينها أني أبني جدار عزلتي..و أن وعيي يتشكل..

فالانغماسُ في الأشياء.. يُفقِدُ الأشياءَ المصداقيةَ و التَّوازُن..

كَقَلبِ حبيبٍ أعماهُ هواهُ فما عادَ يميز..

أبَشَرٌ من يُحِبُّ أم فوق ذلك..؟!

و في لحظاتِ اكتِمالِ الرؤى.. يَظَلُّ بَصَرَ الذي حيلَ بينه و بين هَشاشة العالم بستائرٍ من وَردٍ و عِطرٍ و مِخمَل..يراهُ بِعينِ الطِّفلِ الذي يتراوَحُ بين عَدَمِ تَصديق.. و بين أمَلٍ ان الأَمرَ سينكشفُ عن دُعابَةٍ ما و لا بُدّ..!

و أن العَمّ الطَيّب سيظهرُ في نهاية المَشهَد ليرسم الابتساماتِ على وجوه الجميع.. و تُمطِرُ السّماء نَغَماً و حلوى..!

حين طالَ العُمرُ أكثَر.. و صارَ كُلّ شيءٍ يُفرِحُ و يُحزِنُ أكثر..

غدت كُلُّ التفاصيلِ مُرهِقة.. فَقَطرةُ المَطَرِ التي تُدُقُّ على النافذة ذاتَ مساء أصبَحَت و لها في أُذُني ألفَ حَرفٍ و مَعنى..

ورقة الشَّجنِ الساقطة من روحِ الشَّجِرة ذات خَريف.. أرى ألف خنجَرّ يمُزِّقُ قلبها مع كل قَدَمٍ تطؤها..

تلكَ الفَرحَةُ في تلك العينِ الدّامعة..

ذاكَ الوفاءُ و الحُبُّ و استدامة الرحمة و المَوَدَّة رغم البَشرِ العِجاف..

تلك السعادات الصغيرة المُسَمّاة بالتفاصيل..

الكَثيرُ و الكثيرُ و الكَثيرُ من الأشياء.. الصغيرة كقدرتي على التصديق.. الكبيرة كأُفقِ روحي..

جَعَلت كُلَّ يومٍ يَمُرّ.. حِملا ثقيلا على الطِّفلةِ العجوز.. حملا نُقِشَ عليه ..

“جِدّا”

و ما أدراك َ بجحيمِ و نَعيمِ نَفسٍ كُلُّ شيءٍ فيها..

جداً..!

يمكنك قراءة الخاطرة الأولى من هنا : مذكرات روح – المذكرة الأولى – لـ بسمه موسى

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .