ضوء خافت – خاطره – لـ رواء أحمد عبد العال

10 265

شعورغريب داخلى ، يدفعنى بقوة كى أذهب مسرعة إلى غرفتى ، أذهب متخفية ، أنظر من حولى هنا وهناك ، لا أريد ان يرانى أحد ، حتى لا يتهمنى بالجنون . أغلق الباب من خلفى سريعا ،أمسك مرآتى برعشة .
أشعر بإشتياق غريب لتفاصيل وجهى وتقاطيعة ، وكأننى قد نسيت بعض من ملامحة . فمنذ فترة ليست بقصيرة ، لم أره فى المرآة ، وكأنه ليس ملك لى ، مرات ومرات حاولت الأقتراب منه، لكن دون جدوى ، كلما عقدت العزم أن أراه ، أبتعد قبل المواجهة ، وهكذا دائما أشعر برغبة فى الهروب ، ولا أجرؤ على الإقتراب .
لكن هذه المرة أرانى مختلفة، لقد قررت أن أنتصر على ذاتى ، وأن لا أكرر تلك المحاولات الفاشلة مرة اخرى ، تمالكت نفسى بقوة ، بل وتمردت عليها ، وتجرأت ، وأمسكتها . نعم أمسكتها على ذلك الضوء الخافت .
لقد رأيت وجهى وقد شابهه بعض من الغموض . ورغم من ذلك ، لازلت أتذكر ملامحه جيدا ، فعيناى السوداويتان الواسعتان اللاتى كان يحسدنى عليها الجميع ، لازالت كما هى ، رغم ما المّ بها من نظرات حزن وضيق ، إلا انها تظل أجمل ما يكسو وجهى .
أنفى لازال كما هو ، ذا العظمة البارزة ، التى كانت دائما توحى لمن حولى بقوة فى الشخصية ، وعزة النفس الشديدة ، التى قد تصل فى بعض الأحيان الى الغرور والتكبر ، مما يجعل البعض يبتعد عنى ويتحاشانى فى بعض الأحيان ، ربما لونى الخمرى المميز قد أصابه بعض من الشحوب والذبلان ، وربما أيضا قد ازدادت تلك الهالات السوداء حول عيناى ، وقل حجم وجهى بعض الشىء .
رغم كل تلك التغيرات ، إلا إننى قد نجحت فى التعرف عليه ، فهو لازال كما هو ، وأنا لازلت كما أنا ، كم أشتاق اليه كثيرا ، وأشتاق الى ان أراه بصدق فى مرآتى ، دون أى زيف أو خداع ، دون أية زينة أو ألوان ، ببساطتة وطيبتة ، أشتاق أن أراه على ذلك الضوء الخافت .
لكننى أشعر ببعض من الغربة بينى وبينه ، فهو ليس كما ألفته ، فمنذ فترة لم أتأمله هكذا ، ولم أقو على مواجهتة أيضا ، كم هى مؤلمة تلك المواجهة ؟ فلأننى أنثى أحتاج بين الحين والحين الأخر ، إلى أن أطل على ذلك الوجه ، وأتأملة ، أحتاج إلى أن أأخذ بعض من أدوات الزينة وأجربها ،أتزين بها أمام المرأة ، أجرب هذا وذاك ، وأمسح تلك . هذا يبدو لونه رائعا على وجهى ، وهذا ليس مناسبا بالمرة، أما هذا اللون فيبدو عليه نوع من التكلف الغير مطلوب ، وهذا يبدو أكثر الألوان جمالا على وجهى . أمسحهم جميعا برفق ، وأبتسم إبتسامة صامتة ، توحى بإنتصارى على ذاتى المتمردة .
فأشتاق لكل ما بداخلى ، أشتاق لحركات جنونى ،للحظات صمتى ، لضحكاتى العالية ، لإبتساماتى، ولنظراتى الحزينة أيضا . نعم ! أشتاق لكل وجوهى المختلفة . أشتاق الى ذلك الضوء الخافت فى غرفتى ، الذى يسقط من خلفى ، فينعكس بقوة على مرآتى ، فيجعلنى أرى كل شىء بوضوح ، أرى كل شىء يتحدث بصمت محكم عن نفسه ، فأجلس بمفردى وأتذكر كم تحمل ذلك الوجه كثيرا ، وكم أيضا تبدل منذ لحظة الطفولة البريئة ، الى تلك اللحظة .
كم أشتاق للحظات شرودى تلك ، وأنا ممسكة بمرآتى ، أشتاق أيضا لسماع تلك الحوارات الداخلية . فأصمت طويلا ، وأغلق عيناى بهدوء ، لترمش قليلا على ذلك الضوء الخافت. منذ تلك المرة وقد أخذت عهدا صادقا بينى وبين نفسى ، أن أنظر كل يوم إلى وجهى ، كى لا أنسى ملامحة مجددا ، حتى لا أشعر بالغربة مرة أخرى . كل ما أريده فقط ، تلك المرآة الصادقة ، وبصحبتها ذلك الضوء الخافت .

10 تعليقات
  1. Eman‏ ‏Ismail يقول

    راااااائع كم اشتاق لوجهي وملامحي ونفسي القديمه

    1. رواء أحمد عبد العال يقول

      مرور حضرتك الاروع ، تحياتى

  2. معجزة احمد يقول

    اكثر من رائعه احساسك جميل 🙂

    1. رواء أحمد عبد العال يقول

      انت الاروع يامعجزة ياجميلة

  3. سحر النحاس يقول

    تسلم ايدك يا رواء دوما متألقه حبيبتى

    1. رواء أحمد عبد العال يقول

      تسلميلى حضرتك ، ربنا يخليكى ليا يارب

  4. Mohamed Saad يقول

    تسلم ايديكى استاذه رواء كلمات تلامس القلوب والعقول

    1. رواء أحمد عبد العال يقول

      شكرا جدا لذوق حضرتك

  5. محمود بكر يقول

    كلمات تنساب على صفحات لتطبع معانى فريدة من نوعها … تحياتى لك أختى الفاضلة رواء

    1. رواء أحمد عبد العال يقول

      ربنا يباركلك استاذ محمود ، مرور حضرتك الأجمل

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .