عالم تعشقه الأقلام

همزات الشياطين – قصة قصيرة – لـ سوزان الشافعي

2 276

” همزات الشياطين ”

كانت أول ليلة لها بعد سفر زوجها إلي عمله خارج البلاد ، مازالت عروس جديدة لم تكمل أربعة أشهر في هذا البيت ” بيت زوجها وعائلته ” ليس معها أحد في غرفة نومها إلا من جنين يدب في أحشائها لم يتجاوز عمره الشهرين بعد ؛ عرضت عليها أخت زوجها أن تنام معها في غرفتها في الشقة المجاورة لشقتها ولكنها رفضت وقالت :لا أريد مضايقتك ارتاحي في سريرك وأنا أيضا . وفي الحقيقة هي من النوع الجبان جدا ولم يحدث أنها نامت بمفردها ولا مرة في حياتها فمن كنف الأم إلي كنف الأخوات ثم إلي كنف الزوج ، ولكن الآن هو قد سافر وماذا ستفعل ؟ أتخبرهم أنها جبانة تخاف بالنهار كما يخاف الصغار في الليل شيء مضحك ولكنه مقلق ، ماذا أفعل ؟ قالت لنفسها : ماذا سيحدث إن بتُ بمفردي في شقتي وما كان يُخيفني هناك في بيتنا لم أعد أراه أو أشعر به من يوم أن جئت إلي هذا البيت ،

ولم تكن تعلم أنه ينتظر تلك اللحظة التي ستكون بمفردها حتي يعود للظهور من جديد ليحادثها بكلمات لا تفهمها ويتلمس جسدها بأيدِ ليست كأيدينا ورغم خوفها إلا أنها كانت تظنه كابوسًا وحسب ولم تُفكر ذات مرة أن تعرف ما هذا وما سبب ملازمته لها كل ليلة . ظلت سهرانة أمام التلفاز حتي تملكها التعب والرغبة الشديدة في النوم فأسرعت لسريرها لتنم أخيرا بعد تفكير طويل هل تنام في السرير بمفردها أم تنام في غرفة الضيوف ، عزمت أمرها وراحت لغرفتها لتخلد إلي النوم وكانت ليلة شديدة البرودة ، لذا فقد دثرت نفسها بكل ما تستطيع من أغطية كي تشعر بالدفء من ناحية والأمان من ناحية أخري كما يفعل الأطفال حين ينطفيء النور فجأة وهم في فروشهم ؛يغطون رؤسهم بالأغطية خوفا من أن تراهم العفاريت أو أن تُمسك بأقدامهم من تحت السرير . راحت في سبات عميق وعلا صوت ” شخيرها ” فقد كانت تعاني من لحمية في أنفها وكأن صوت شخيرها هو من يزعج هذا الشيطان ويقلقه من نومه فيأتي ليوقظها من نومها حتي يرتاح ، وقد حدث ، شعرت به يمسك يديها بقوة يجذبها كأنه يريد أن يخلع كفها من ذراعها أفاقت مسرعة ونسيت أنها في الغرفة بمفردها لم تتعود بعد علي غياب زوجها فظنت أنه هو من يريد إيقاظها ، فقالت له : ماذا تريد ؟ اتركني لأنام ، فجذبها مرة أخري من ذراعها ثم همس في أذنها : أنا لستُ زوجك أنا هو الذي يأتيكِ من زمن ، معقول نسيتيني ؟! أنا أُريدك ، أنا أحبك،فقامت مسرعة لتنظر حولها لتري من يتكلم فلم تجد شيئا ولكن منظرها وهي مرعوبة يثير ضحكاته فتسمعها بوضوح ، تشعر وكأن أحدا ينفخ في وجهها ليرفع تلك الشعيرات التي سقطت علي جبينها وهي نائمة ، فتصرخ بصوت عال : من أنت وماذا تريد ؟ اتركني في حالي أنا تعبت حرام عليك ، فيتوقف صوت الضحك لتشعر بيده تلمس رأسها وشعرها من الخلف ثم تنزل ببطء علي ظهرها ، فتنهض بسرعة من سريرها واقفة قائلة :ابتعد عني ماذا تريد؟ فتعلو صوت ضحكات غريبة لا تعرف مصدرها وكأنها تأتي من كل مكان ،تصرخ بأعلي صوتها : كفاية لا يمكنني تحمل أكثر من ذلك لا أتحمل سماع هذا الصوت ، ورغم صراخها لم يسمعها أحد ، فقررت أن تخرج من غرفتها لتستنجد بأهل البيت ، باب الغرفة موصد ، وتشعر بيديه حول رقبتها وقد أطبقهما عليها كأنه يريد أن يخنقها وهي تصرخ ، ثم يتركها لتجري نحو الجانب الآخر من الغرفة لتراه في المرآة شبحا، هواءا كدخان السيجارة ، يبعثر كل ما كان موجودا أمامها من عبوات وزجاجات العطر وغيرها ثم يعلو صوت ضحكاته ليملأ قلبها الرعب ويرتعد جسدها ، استجمعت شجاعتها وعلا صوتها ، قالت له : والله لو ما تركتني في حالي لانتقم منك ابتعد عني ، قديما كنت جاهلة لم أتمكن من إبعادك عني لكن الآن أستطيع ، ولن تتمكن من أن تضرني ، هي تتحدث وصوت ضحكاته يعلو يرج الغرفة رجًّا وكأنه يسخر منها ، فقالت والله سأحرقك ،لقد تعلمتُ كلماتٍ أستطيع بها أن أتخلص منك ، وهنا توقف صوت الضحك وتكلم ، قال ساخرا منها : كلمات أي كلمات تلك ، وأنتِ لا تحفظين إلا الأغاني التي نسمعها أنا وأنت سويا من سنين ونشاهد تلك الأفلام الخليعة التي أدمنتيها ولهذا أحببتك وبقيت معكِ هذه السنين، قالت : لا والله لن أتركك تؤذيني بعد اليوم وهذا الذي تعودتُ علي سماعه ومشاهدته وجعلك تلازمني هذه السنين سأتركه لوجه الله ولينجيني الله منك ومن أمثالك ، فصدر منه صوتا غريبا حين سمع كلمة الله كادت تسقط جدران الغرفة علي أثره . قال : الآن عرفتِ الله!لن أترككِ أبدا لأنك لا تعرفينه وأنا أعلم وإلا ما كنت قد لازمتك طوال هذه السنين ، قالت له : بلي عرفته وسأنتقم منك وستري وبدأت ترتل

” الله لا إله إلا هو الحي القيوم …  ”  الصراخ يعلو يملأ المكان كادت أن تُصم أذنيها يتوسل لها اتركيني أعيش لن أضرك بعد اليوم ، لا تري شيئا ولكن تسمع صوتًا وأنينا وصراخًا كأن أحدهم يحترق ، ثم انتهت من القراءة ليهدأ الصوت ولتسمع أزيز بسيط وكأنها نار تخبو بعد ما كانت مستعرة ،وراحت تردد :” وقُل ربِّ أعوذ بك من همزات الشياطين () وأعوذ بك ربٍّ أن يحضرون ” لتفيق من غفلتها التي جعلت شيطانا يلازمها سنين لتنعم بعدها براحة تمنتها من سنين .

تمت .

 

  1. غادة عامر يقول

    نصيحة ثمينة في أسلوب قصصي جميل..دوما موفقة لكل خير..

    1. سوزان الشافعي يقول

      أسعدني قراءتك وتعليقك علي كلماتي المتواضعة .. شكرا لكِ أستاذتي وأختي منك نتعلم 🙂

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .