ماريا 5667 – قصة قصيرة – لـ رضوى مرشدي غريب

4 1٬408

ماريا 5667

ألم عظيم في معدتي, أشعر أن صدري يكاد ينفجر,و أن عظامي أضعف من عشّ عصفور..
أركض بلا هدف, أركض كأن أحداً يلاحقني, خلفي ظلام و أمامي ظلام..
هي ليست غابة, ولا هو شاطيء مهجور, أو حتى جُرم صغير..
لا أعرف اين أنا, أو ماذا ستكون النتيجة لو توقفت للحظة أرى فيها ما يحدث !
ماذا لو كل هذا الركض و التعب ذهب هباءاً !!
ماذا لو انفجر صدري بالفعل !!
ماذا لولم يكن كل هذا حقيقي !!
أين أنا ؟!
*************
كالعادة, يوم رتيب ممل مثل سابقه؛ سأنهض من سريري بهدوء كي لا أوقظ (جاد) و أذهب للمطبخ لتحضير الفطور, فيأتي هو ليضمّني هامساً “صباح الخير حبيبتي”, و بإستدعاء كلّ طرق الإدعاء بالحب في الكون سأردُّ عليه “صباح النور يا عزيزي”, فيقبّلني و يدعوني للفراش, تاركة الفطور على المنضدة, و روحي بالمطبخ, أو في أفقٍ ما لا أعرفه..
يمر بعض الوقت, أو بضع سنوات جواره على السرير, ثم ينهض هو ليرتدي ملابسه تاركاً جثه شبه هامده خلفه, لا يرمقها بنظرة واحدة إلا أثناء خروجه مودّعاً لها قائلاً ” أريد الدجاج المُتَبَّل على الغداء, سلام” وكأنَّ شيئاً لم يكن..

يقول كثيراً أنه يحبني, لا يكل أبداً من ترديد كلمات الحب, و يقسم أنّه لم يحب شيئاً قدري قط, و برغم هذا, لم أرَ في عينيه إلّا نظرات الرغبة, لم أر هذا الحب سوى في أوقاتنا معاً على نفس الفراش..
إن كان هذا هو الحب, فهو بارع في إثباته إذاً..
و إن لم يكن, فاللعنة عليه, و عليَّ..

*************
هذا الألم مجدداً, نفس الرغبة في الصراخ و نفس الفراغ الأسود..
لكن هذه المرة أشعر أنَّ دمي ساخن, لا, بل جسدي كلّه ساخن, و كأَنّ شمساً أخرى ظهرت جوار شمسي..
جسمي يريد أن يعرق لكنه لا يتسطيع, و جلدي يؤلمني..
أشعر أنّه يتساقط, أنَّ جلدي ينفصل منّي و يقع أثناء هرولتي..
أما لهذا العذاب من نهاية؟ النجدة !
*************
اقتربت الساعة الخامسة و هو الآن في طريق العودة الى المنزل, اعتقد أنه سيحمل معه تلك المرة زهوراً صفراء, لأنَّ المرة السابقة أهداني تيوليب أبيض..
أكثر ما أحبه فيه, و أستغربه أيضاً, أن كل هداياه لها ذوق غريب, كلّها إمّا ورود أو دُمَى أو برامج للحاسوب أو زجاجة بيضاء يخبرني أنني سأحبها, و بالرغم من انني لم أجربها يوماً إلَّا أنه مُصِرّ على انني أحببتها بالفعل, لا أعلم كيف..!
وها قد وصل, ينادِ عليّ ملهوفاً ليخبرني أنه قد أشترى برامج حسابية و تدوينية جديد من أحدى المواقع الألكترونية, لأجلس جوارة لأكثر من خمس ساعات أستمع منه الى نظام برمجة تلك البرامج وكيفية العمل بها !!
ما هذا؟
هل هذه هي هدايا العشاق؟!
ليته استمر في جلب الورود.
*************
الألم اختفى, ولم أعد اركض, و صار صدري أوسع و الهواء لم يعد يضايقني, و كأنَّ كل هذا لم يحدث..
و أرى أمامي مرآة, لكن لا أراني, ولا أرى فراغ, أرى سيده بيضاء شديدة الجمال بوجنتها جزء ناقص له إطار متآكل يشبه الصدأ, أرى خلاله ما خلفها, و أرى علامات اليأس عليها, أو هي الخيبة !
لا أعرف..
*************
مرَّ أكثر من أربع ليالِ لا أستطيع النوم, الكوابيس تلاحقني وقتما نمت, و تزداد بعد كل لقاء مع “جاد” على سرير واحد, و أصبحت أكبر أمنية عندي الآن هي أن أنام دون أن أراني أجري أو أنَّ جلدي يتساقط, فقط..
أو على الأقل أن أرى في عينيَّ “جاد” أيّ تأثُّر عندما يراني لا أستطيع النوم, و ألّا يضحك حين أخبره أنني أرى الكوابيس..!
منذ يومان أخبرته أنني أشعر بالألم في قدميَّ و صدري, أنني أرى كابوس كل ليلة, فظَلَّ يضحك حتى أدمعت عيناه, و لم اكمل كلامى حتى استوقفني قائلا ” ياعزيزتي, توقفي عن كل هذا الهراء و كفاك إهدار في وقتك” ثم أقترب إليّ هامساً “تعالي أريك يا يستحق الوقت”, لأذهب معه مسلوبة الإرادة..
لا اعرف لم لا أخبره انني تعبت! مللت!
اكره نفسي حين أشعر أنّه يعاملني كشيء موجود في المنزل لخدمته و لرغبته فقط، هل هذا هو الحب؟
هل أنا هنا لهذا السبب فقط؟
لا أذكر مرّة خرجنا معاً، أو حتى جلس جواري يتحدث إليّ في أيّ شيء، و الأهم أنني السبب في ظنّه أنّي راضيه..
*************
هذه المره الكابوس أكثر رعباً..
المرأة في المرآة, هي أنا..
أنا اتآكل, جسدي ينقص, جلدي يتساقط..
ياالهي! أريد أن اركض ثانيةً..
*************
“-(جاد), استيقظ !
-ماذا؟ (بصوت نَعِس و عين نصف مفتوحة و يد تتحسس جسدي بشهوة)
-أشعُر أنّ حرارتي مرتفعة جداً، أنا أذوب
-ما هذا ؟! ما الذي حدث لوجهك؟ هل اصطدمتي بشيء ؟!
-لا, كنت نائمة جوارك و للتو استيقظت, ماذا ترى بوجهي؟”
أسرعت للمرآة, و رأيت ما كنت خائفة منه،،

أمّا (جاد) فهو غاضب جداً, يهرول في أرجاء الشقة باحثاً عن حلّ, و يسألني عن الزجاجة البيضاء لكن دون إجابة, و حين ينظر أليَّ ليزداد غضبه و حزنه..

و أنا لست معه, ولا أنا في هذا الدنيا, أنا في دنياي أنا الآن..
لقد أصبحت متأكلة, أصبحت بنصف وجه, و بنظرة أخرى على معدتي, فهي أيضاً لاقت نفس المصير, و شفاهي تذوب، و في الحقيقة أنا لا أعرف لِمَ أنا هادئة إلى هذا الحد !!
لكن هل هذا التآكل في وجهي فقط؟ لقد سمحت لروحي بالتآكل من فترة طويلة, حين سمحت له أن يحولني لشيء يشبع رغبة له ليس أكثر, و حين دفعت نفسي للإدعاء و الكذب كي لا أجرحه أو يشعر أنني مللت منه..

و فجأه يعلو صوت (جاد) ,فأخرج من دنياي و ألتفت إليه لأراه يضع هاتفه الخلوي على أذنه قائلاً ” كيف حدث هذا؟ كيف وَصَلَتْ إلى هذا الحد؟ تآكل ؟! ”
فأنظر له بإنتباه و فرحة أنستني ما أُصِبت به, يبدو أنَّ اهتمامه بي ليس كما ظننت فقط, هو يحبني إذاً..
” لقد فرغت الزجاجة, و قال لى مندوبكم أنه سيجلب لي أُخرى و لم يأتِ, و على كل حال فلا يجب أن يحدث بها تآكل, هي ما زالت في فترة الضمان”
ضمان !! ماذا تقول يا (جاد) !
سأُقدّم شكوى بشركتكم, أنا لم أشترِ Doll كي تتلف خلال أشهر قليلة”
أنا Doll !! أم أنّه يتحدث عن شيء يخُصُّ عمله؟
لكنه مزارع, ما دخل الزراعة بـDolls ؟
“رقمها! حسناً انتظر لحظة”
ليقترب إليّ و يرفع شعري
“ها هو, 5667-33421, إن لم يأتِ أحد للصيانة فوراً سوف تحدث أشياءاً لن تَسُرّكم”

كل هذا تتحدث عني يا (جاد) ؟!! انا هي الدمية ؟
أنا دمية؟!!
أقترب منّي رابتاً على كتفي قائلاً” عزيزتي, سيأتِ أحدهم ليجعل منك أجمل, لا تقلقي, و الآن حضّري لي الفطور, أنا جائع”..
لأستدير للمرآة مرة أخرى, و أتأكد أن تلك النظرة لم تكن يأساً.

4 تعليقات
  1. احمد فتحى يقول

    بداية جيدة

  2. ماجد شيحة يقول

    جميلة

  3. مؤمن مصطفي يقول

    ممتعه كالعاده يارضوي

  4. ايهاب مصطفى يقول

    هي كبداية جيدة يا رضوي..

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .