سأموت اليوم يا أمي – قصة قصيرة – للكاتبة رضوى مرشدي غريب

1 2٬708

كيف حالك..
سأموت اليوم يا أمي، لن استطيع تحمل الألم اكثر من ذلك، رأسي و صدري يكادان ينفجران، و يبدو انها ليست مجرد اصابة عادية بالبرد، و بكيت كثيراً اليوم أيضاً..
لا تنسي ابنتك ذات السبع سنوات.
أحبك.

كيف حالك..
سأموت اليوم يا امي، اظن انها ستكون اول و آخر دورة شهرية لي، الألم عظيم و حالتي مزرية،،
اخبرتني خالتي ان كل ما يحدث هذا طبيعي، وانه يجب ان يتغير جسمي و تكويني كلما تقدم بي العمر، و ألّا أخاف، وأنه ليس نزيف ما، بل مجرد حيض،،
و برغم أنّ في كلامها محاولات عِدّة لطمأنتي، ألّا أنني خائفة، لقد أخبرتني أن (مجرد حيض) هذا هو أغلى ما تملكه عائلنا الكريمة، فببداية سقوط قطراته الأولى بدأ التأهب لأي (عار) و قد يمس تلك العائلة، و أنّ الحيض هنا يعني احتمالية كبرى لمعاشرة اول رجل اقابله، بغض الطرف تماماً عن التربية و المباديء و الأخلاق و خِلافه، و الرد دائماً “الشيطان شاطر”..
و الألم يا أمي لا يُحتَمَل.
احبك.

كيف حالك..
سأموت اليوم يا امي، الاهانة شيء قاسي جداً، اخبرني استاذي ان درجاتي في اخر اختبار كانت الاقل، و وصفني بالفاشلة،،
لم يدرك أنّ هذا الوصف قد يغير حياتي تماماً، و على كل حال هو لن يشعر بالذنب للحظة على كل مرة حاولت فيها الثقة بنفسي و فشلت بسببه،،
و لِمَ قد يتحملون عِبء طالبة فاشلة؟ أتممت عامي الخامس عشر للتو و اصبحت فاشلة، ماذا سأفعل حين اكبر؟
لا لن استطيع.
احبك.

كيف حالك..
سأموت اليوم يا أمي، تعدّى عليَّ أحدهم، لا اعرفه ولا يعرفني، ولم يربطني به سوى وجودنا معاً في حافلة واحدة،،
أقترب، تجولت عيناه في انحاء جسمي، تحرك شيطانه و حرّك معه يده الى كتفي، قرر أنني ملكه و يحق له أن يفعل ما يشاء..
ولم انطق، لم يتحرك فيّ ساكن، و هو يقترب اكتر، و تتحسس يداه جسمي، و يلصق جسمه بي أكثر،،
لكنني لم أصمت طويلاً، لقد بكيت، بكيت كثيراً، بلا صوت.
و رآني أحد الركاب أبكي، و رآى ما يفعله بي هذا الشيطان، لكنه صمت، لم يتحرك، غض بصره عمّا يحدث.
و كيف لي أن ألومه، أنا صاحبه الحق لم انطق.

ضاع جزء جديد مني وقد بلغت للتو عامي السابع عشر يا أمي.
احبك.

كيف حالك..
سأموت اليوم يا امي، كل من حولي يتغير عليّ، لم يتحملوا ان يظلوا جواري اكثر من ذلك، وجهي الكئيب و صوت بكائي اصبح ثقلاً عليهم،،
تركوني جميعاً ورحلوا، ولم يحاول أحدهم أن يغيّر من حالي شيء، ولن اتحمل انا الوحدة على كل حال، اصبحت وحيدة يوم أتممت عامي التاسع عشر يا أمي.
احبك.

كيف حالك..
سأموت اليوم يا امي، و لا ابالي، فما الذي يستحق العناء في هذا الكون؟ لِمَ قد أبالي بشيء اعلم انه سيحدث، او لن يحدث؟
اللامبالاه يا امي هي الحل، و الطريق السريع للحل هو الموت،،
إذاً، فلنمُت جميعاً..
و في بداية عامي الثاني و العشرون اخبرك، انا لست بخير.
احبك.

كيف حالك..
سأموت اليوم يا امي، اخبرتني والدة صديقتي ان الفتاة اذا وصلت لعمر الخامسة و عشرون و لم تتزوج فهي بورطة أشبه بالمرض، و أنّ أي مرض نهايته الموت..
مجتمعنا هذا غريب جداً يا أمي، عنصريتهم مختلفة، يفضلون المتزوجة و ينبذون المطلقة و يعيبون الأرملة!!
و كأنه اختيار..
ينصحونني بالزواج كي اكون في حِمى رجل، أي رجل، لا يهم من هو او إذا كان مناسب او لا، المهم هو الزواج، وإن لم يحدث فبالتأكيد أنا أعاني من مرض ما، او عيب ما، او عار ما..
و أنّ الزواج شرط الحياة، و قرار الانفصال إن نَبَع من الزوجة فبالتأكيد بها عيب ما، او تفكر في رجل آخر، لكن إن كان منه هو فببساطه هو حقه.

سأتركهم و أرحل، و إن سألوكِ عن السبب قولي لهم “اتمّت عامها الخامس و العشرون و لم تتزوج”.
احبك.

كيف حالك..
سأموت اليوم يا أمي، فتاتك الصغيرة لم تعد بريئة كما كانت،،
المواقف، الناس، الضيق، الوحدة و الحزن، كل هؤلاء اخذوا من روحها أجزاء، ولم يمر عليها شيء إلّا و استهلكها و روحها..
لم تعد تنظر للحياة بإبتسامة كما اعتادت، ولم تهتم بأزهارها ولا بتحضير الفطور لأخيها الصغير، و أصبح يومها مجرد ساعات ثقيلة تمر لتنتهي و يبدأ غيرها أثقل،،
والغريب يا أمي أنَّ كل من حولي يَلُمنَني على حالي، حالي الذي هم السبب في وصولي اليه هذا لا يعجبهم..!!
مروا و رحلوا وتركوني وحيدة، و يتعجبون لشعوري بالوحدة..!!
قست قلوبهم، و لم يفهموا انعزالي عنهم..!!
سلبوا حياتي مني و الآن يسألوني عنها..!!
أصبحت رجلاً و امرأة في آنٍ واحد، لَمْ يساندني رَجُل، خذل أب و أخ و صديق و حبيب، و في النهاية يسألوني متعجبين “لماذا لا تطلبين المساعدة؟ ألسنا جوارك ؟” حقاً!!
و في بداية عامي الثامن و العشرون اخبرك، لم أعد ارتدي الفستان يا أمي.
أحبك.

كيف حالك..
سأموت اليوم يا امي، في بداية عامي الثلاثين، لقد وقت في الحب.
احبك.

كيف حالك..
سأموت اليوم يا امي، اخبرني طبيبي أنني لن انجب أي اطفال، لن أصبح أماً، لن تأتِ لي فتاة تكتب لي، ولا طفلاً يهتم لأمري، و لن يقُل لي أحد “يا أمي”..
و لِمَ قد أعيش إذَنْ؟!!
خمس و ثلاثون عاماً من الوحدة ينتهون بأمر استمرار الوحدة يا أمي.
احبك.

كيف حالك..
سأموت اليوم يا أمي، هجرني زوجي، نعتني بالعقيمة و ذهب، قرر أن يتزوج أخرى تنجب له الأطفال، أخرى اصغر سناً، لا تبكي ولا تنحب، لا ترتدي الأسود ولا تملك من الوحدة قدر امتلاكي لها.
لِمَ كل هذا؟ هل انا السبب؟ هل انا من أخترت ألّا أنجب؟!
أعلم انها إرادة الاله، لكن لماذا انا؟
أتممت عامي الأربعون يا أمي، ولازلت وحيدة.
احبك.
كيف حالك..
سأموت اليوم يا أمي، لا، مُتّ ألف مرة قبل هذه.
لكن أتعلمين، أول ميته دائماً هي الأقسى، وأنا رأيت قساوة الموت كله في ليلة واحدة، في حلم،،
يوم رأيت وجه مُغَطّى الأبيض و كل ما حوله سواد، و كعكة عيد ميلاد شموعها مطفأه في ركن، و طفلة صغيرة يبدو انها صاحبة هذه الكعكة تقف أمامها ترتدي فستان قصير اصفر، تضم دميتها و كأنها ستهرب، و عيناها مفتوحتان لآخرهما، تنظر للسواد ولا تفهمه، و تنظر للأبيض و تريد انتزاعه، و تنظر للكعكة و تبكي..
وفجأة تصرخ، تصرخ كثيراً، يخرج الصوت من عمق صدرها، و يصمت الحضور لينتبه لوجودها، ينتبهون لمن فقدت للتو فرحتها و أمانها، وتنظر هي إليهم و تصرخ مجدداً، و تضم دميتها أكثر، و لم يعرف لسانها وقتها غير كلمه “أمي”..
هرولت إليها و هزتها، صرخت بها أن ترد، ولم ترى او تسمع أي إجابة..
و بدأ عقلها بالصمت، وصوتها أيضاً، و هدأت، حتى اقتربت إلى أذنيها قائلة “سأموت اليوم يا أمي”..

كيف حالك..
مُتُّ اليوم يا أمي، و في بداية عامي الخمسين أخبرك، أنا سعيدة..
بعد ثلاث واربعين عام سأراكِ.
أحبك

تعليق واحد
  1. هاله يقول

    انتى بتخلينى اقرا قصصك وانا مبحبش القراءة اصلا بس فعلا قصصك جميلة
    ربنا يوفقك ياجميل ومن نجاح لنجاح دايما يارب

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .