عن سيرة الحب – قصة قصيرة – بقلم اقبال محمد عباس

0 1٬746

عن سيرة الحب

=الفرقة الجديدة نوَّرت ..
-لا زال الوقت باكراً عَليهن يا عزيزي..

كان هذا حواره مع صَديقه في بداية العام
صاحبنا الدونجوان بنظرِهن ،الصائد المحترف بين أقرانه ،الطفل التائه بين أفكاره …
لكل شخص نَظرته وهو ماريونيت العالم حولَه ليمثل مسرحيات يتقلد فيها دور اللَّاعب بالعرائس،
تلك هي حياته اللامعة بنظرهم ،التقليدية بنظره…
……………………

..حسنا كل ما في الأمر مرحلة جديدة ولن يتغير شيئاً بظهورها ،
ربما تَغير طفيف لا يستدعي كل هذا التشتت يا فتاه ..
حوا ..كانت الأفكار المتضاربة تُباغتها في أول يوم دراسي،
هنا حيث كل شخص تَخطفه أضواء التجربة الجديدة ،
الحياة الجامعية ،أو الحب ،أو التحرر ..تجارب لا حصر لها من منظور كل منهم ..
كانت هي تهرب من حياه جديدة ،لا تعلم ما يجب أن تشعر به عقب ظهور والدتها في حياتها وهي بهذا العمر ،فقط تريد الهرب من التفكير وسط هذا الجمع ،أو بالأدق الآن وسط كلمات أم كلثوم
وألحان بليغ “وقابلتك أنت لقيتك بتغير كل حياتي ”
ويتحرر منها صوت رقيق يتغنى بأجمل مقطع للست
“معرفش ازاي أنا حبيتك معرفش إزاي يا حياتي”….
………………………….
=نظامك الفاشل هو سبب كلمة مُحمل بِمواد ،أنا سأحضر ،ربنا يهديك يا دنجوان..

دائما ما يُوبخه صديقه الغير مُحبب إليه، ولكن أملاً في أن يتغير وينتبه لمستقبله، ذاك الذي ينهار الآن ،يعلم أنه من الأذكياء بل وأكثر إنه من أصحاب المَلكات الفريدة ولكن عبثاً تُخبره بذلك وهو مُنشغل في أمور أخرى كتلك التي يترك المحاضرات لأجلها ويجلس هنا …

كان يجلس معها بجسده فقط فروحه أبداً لم تستقر ،بل لم يعلم أين هي إلى الآن ،بكل مرة يظن أن روحه سَتسكن ،لكن هيهات لا نُدرك ما نُرتب له وإن تدبرنا ذاك مرة لعزُفنا عن الترتيب وتركناها تأتي كما كُتبت، غَضبت الفتاه عقب خطأه المتعمد في إسمها ،هناك شئ يريد أن يدقق التركيز به وثرثرتها تحول دون ذلك ،لكن المهرب السهل المستساغ دائماً هو فكْ رِباط التَّعلق ولفظهن خارج دائرة الإرتباط به..
إنصرفت باكية فضحك ساخراً ، كيف أن الأمور دائماً تجري كما أرسم هكذا ..!
إستعاد تركيزه ليسترق السمع بدقه لما تخلل أُذناه من نَغمات رقيقة وكلمات أعذب ..إنها الست ..قالها بنفسه وهو يبتسم فهو من محبيها وكيف لا يكون وهو مولع بالكلمات وتنظيمها ،كاتب إن أجدت الوصف
يستوطن قَلبه الصوت وهو يتغنى “وقابلتك إنت لقيتك بتغير كل حياتي
معرفش ازاي أنا حبيتك معرفش إزاي يا حياتي “…
……………………………..

تَنتبه إلى أن أحدهم يجلس خلفها وأن صوتها تعدى سمعها وأصبح عالٍ بعض الشئ فتصمت مبتسماً بخجل لتستمع إلى الأغنية ،تبادرها كلمات الست بصوت مختلف ،
“من همسة حب لقيتنى باحب وأدوب فى الحب وصبح وليل على بابه ”

تضحك عالياً فيعتذر بحرج منها قائلاً
“وطبعا الست صوتها أحلى من كدا ”
فتقول لم أقصد لم أكن أعلم أن أحدهم هنا ..

-أنا مش أحد ،أنا آدم
*وأنا حوا

لتعقبها إبتسامة وهي تصافحه وكأن تلك هي خلفية الأغنية التي لم تتغنىٰ إلا في لحظات صمتهم ولم تُعزف إلا بثغرها الباسم
وضحكاتها الناعمة…
………………………………….
جَلس بإحدى المقاهي ليلاً مع أصدقائه ،هذا يتحدث عن محاضرات اليوم ،والأخر عن مباراة الغد ،وهو تحدثه نفسه عن ما حدث،
صوتها لا يزال يتردد بأذنيه يريد سماع الأغنية مرارا وتكرارا ليس من الست بل منها،لماذا ..؟!
لا يجد إجابة شافية ،وإن كنت لا أعلم ما يجري أريد صوتها الأن فقط
يتركهم دون أن يُلقي بكلمة ويذهب إلى صديقه الصامت ..
َيَجلس على البحر وهو يفتش عن جروب الفرقة الجديدة ومنه للتفتيش عنها “حوا”
وما إن وجدها حتى قفز فرحاً كمن وقعت يده على كنز لا يقدر،
يَحفظ الصفحة ويعود إلى المنزل فتأخره لا يَجلب إلا السُباب له وهو اليوم في حالة لا يغلفها إلا السعادة الخاطفة لا يريد تلويثها ولو بقدر أُنملة …
………………………..

“يا اللى مليت بالحب حياتى أهدى حياتى إليك

روحى..قلبى..عقلى..حبى كلّى ملك ايديك”

أَغلقت الكتاب وهي تضحك قائلة “أكيد هو مين غيره”
لتفتح الرسالة وتجيبه ،أغاني الست مش للعبث يا دنجوان

ليَرد

– الدنجوان تاب بظهورك في حياته يا حياتي
فتصمت كالعادة ..
طوال السنتين كانت كلمات الحب تكفي لإسكات عقلها عن الشك به ،طوال تلك المُدة صراحته وصدق إمانه بها جَعلت من ماضيه ذنوب غفرتها له ،حتى سَقطاته تلك التي تخللَّت علاقتهما غفرتها ،كانت تقول خير الخطائين التوابون وهو يعود، يتوب عن ذلاته بحضرة عِشقنا، تَعلمت المشاعر كلها في ذات الشخص ،لم تكن لتَحلم بأكثر من هذا ،الصدفة خير من ألف ميعاد ،والعشق بحضرة الست خير من آلاف الغراميات …
……………………….
لو أنه إتبع النصيحة مرة علَّ أخطاء كثيرة لم تُرتكب،

ذهب لصديقه ليشاركه قراره أو ليُعلمه به، ربما تكون المرة الأولى التي يتخذ بها قرار وهو لا يريده لكنه الصواب الوحيد وغيره ذنب لن يغتفر ….

سَأتركهها قالها وهو يبكي ،يبكي ضعفه تجاه ذنوبه المتكررة بمذهب عشقها ،يبكي مستقبله الذي يحتضر أمامه ،يبكي روحه التي يوشك أن يَبترها من بين جنبيه فقط لأنه لا يأمن عليها بين ضلوعه الخائنة ،يبكي كل شئ تنتهي حياته بمجرد تركها إنها قِبلة الحياة وما دونها الموت المحقق ،أنا المريض العاجز وأنا أهله ،لا خيار سوا تفضيل الحياة على الأجهزة لا خيار سوا الموت الإكلينيكي إلا أن تبلغ الروح الحلقوم….
……………………………….

ليه أول رد فعل لما لا يقوىٰ عقلك على إستيعابه ..

الإستنكار للموقف في حالتها لم يكن فقط بكاء امرأة جُرحت بل كان أعمق ،على قدر ما حملته إن أردت وزد من الوجع قدر ما تشاء ،صف لي أحلام أم تذوقت الحرمان من الأمومة دهر وما إن لُقح رَحمها وبات هناك أمل في تلك النبتة بجوفها لتحافظ عليه شهور تتذوق بهم الألم ولا تبالي فقط لإنتظار لحظة خروجه إلى الدنيا ،خروجه إليها وما إن يحدث ذلك حتى يخرج ميتاً …صف قدر الوجع وتحمل فأنا لا أقوى على ذلك …

سأسامحك لكن لا تذهب كانت الحروف تخرج من صرخاتها كجَريح حرب ،تخرج متراصة تَرجو أسير كيانها أن يفرض حمايته عليها هي لا تريد التحرر هي بالأسر حرة وخارجه أسيرة لوجع لن ينقطع ….

-فيتركها تصرخ ويذهب …

صَرخات مدوية،لا تنقطع إلا بإنقاعها عن الواقع ،تسترد الوعي لتجد نفسها بغرفة المشفىٰ وجميع الأقارب والأصدقاء حولها تَدور عيناها بينهم كما التائهة التي تبحث عن موطنها ولا تجده أَملت أن يكون ما حدث كابوس وأنه لا زال بواقعها ،لكن ليس كل ما نأمله ندركه …
……………………………………….

“وأعرف حكايات مليانه آهات ودموع وأنين والعاشقين دابوا ماتابوا

طول عمرى بأقول لا أنا قد الشوق وليالى الشوق ولا قلبى قد عذابه”

كانت الكلمات تتردد في السيارة وهو في طريقه لصديقه الصامت عقب جرمه ، ليجدها تَصفه لو أن الست تعمدت إلقاء ِسهام كلماتها لنَهره لما أجادت هكذا…
هل تعود كل الدموع التي فَجرتُها بفتيات حواء لتنتقم مني ،لتخرجني من جنة حوا الوحيدة الصائبة ،عَشقت ودُبت، أنا آثم لكنها لا تستحق حَمل آثامي، لم أكن لأحملها كل ذلك وأجازف بقتلها مرات عديدة ،ستجتازني …
هي ميراث الحب بأرض البشر ولا تحوي الظلام مثلي ،لكني أعيش بأرقام الآن وإلىٰ لحدي ستظل البقعة المضيئة بي……
……………………….
“ياللي ظلمتوا الحب وقلتوا وعدتوا عليه قلتوا عليه مش عارف إيه

العيب فيكم يا فى حبايبكم اما الحب ياروحي عليه

فى الدنيا ما فيش أبدا أبدا أحلى من الحب”

تَستيقظ على صوت شقيقتها وهي تَتغنى بكلمات الست ،ولأول مرة تشعر بأن قلبها في طريق الإستشفاء، ربما الست على حق ، ولا يعلم أحدنا ما تحمله رياح الحب بالغد لقلوبنا ،أظن أن ذاك الجرح يندمل الآن ……
غني يا ست وأطلقي العنان لكلماتك ،لسيرة الحب…

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .