كوب شاى – قصة قصيرة – لـ محمد شادى

12 192

أحـسّ بالضِيقِ فجـأةً فقـام مِن مكانـه وأوقـدَ النـارَ ووقف يُراقـب المـاء وهـو يتحـرك فى قلقٍ داخل الإبريقِ المعدنـى ويكون فقاعاتٍ صغيـرةً سُرعـانَ ما تنفجـر نافِثةً ما فيهـا من سخـونـة.

لديـه سخـانٌ كهربـائى ولكنـه يُفضـل الإبريق المعدنـى حتـى يتثنـى له رؤيـة قطـراتِ المـاء تتكاثف ببطء على جـدار الإبريق.

تحـول منذ فتـرةٍ إلـى مدمـنٍ للكافيين ، حتى أصبـح هو الشـئ الوحيـد الذى يُساعـده على إتمـام يومـه بسلام.

أصبحـت لحظـاته المفضلـة حين ينتظـر غليانَ المـاءِ ليصنـعَ كوبـًا مِن الشـاىِ ويجلسَ فى الشُرفـةِ يراقـبُ البشـرَ.. تنتابـُه فى تلك اللحظـاتِ نشـوةُ الارتقـاء .. أن يكـون هـو الحاكـمُ فى أمـورِ الناسِ ولا يحكمُ فى أمـرِه أحـد.

أفـاقَ من أفكـارهِ على صـوتِ غليـانِ المـاءِ فصـبّه فى كُوبَه الزجاجى المفضـل . جلـسَ فى الشـرفـةِ ووضـعَ الكوبَ أمـامَـه وبـدأ فى مراقبـةِ البشـرِ السائـرين فى الشـوارعِ.. إنـاس من كـلِّ الأعمـارِ يروحون ويجيئون وفـى رأسِ كلِّ منهـم تدورُ أفكـارٌمختلفـةٌ عن الآخـر.

تحـوّل بنظـره إلى كوبِ الشاى الذى بدأ فى الاحمـرار ، لهـذا يُحـب وضع الشاى فى كوب زجاجى لكى لا يمنع نفسَـه من مُتعـة النظـر إلى ذلك اللون الخلاب.

أخـرج كيس الشـاى من الكوب وبـدأ فى هـزّه بهـدوء ثم ألقـاه فـى سلـةٍ بجـواره تمتلئ بأكيـاس الشاى المستعملـة… كان لا يحـب أبـدًا أن يتـرك الكيس فى كوب الشـاى حتـى يتحـول إلى اللون الأسـود.

بدأ فى ارتشـافِ الشـاىِ بهـدوءِ وهو يشعـرُ بـه يتحـرك فى جسـدِه فيوقِظ كلَّ خليـةٍ نائمةٍ وينشـر دفئه الجميـل فى كل أطـرافه.. نظـر بامتنـان إلى الكوب فى يده وحمـد الله علـى نعمـةِ الكافييـن.

رفعَ رأسـَه عندمـا راودته خاطـرة لم يفكـر بهـا من قبـل ؛ هنـاك شبـهٌ لا بـأس بـه بين كوبِ الشاى هذا وبيـن الحيـاة التى نحياهـا.

راقـِبْ بتركيـز مراحـلَ تحـوّل كوب الشـاى إلى اللون الأسـود ! يبـدأ المـاء باهتَ اللـونِ غيـرَ ناضـجٍ ثم يتحـول تدريجيـًا إلى اللـونِ الأحمـرِ الجميـل الذى يصبـح الشـاى فيـه فى أجمـلِ حالاتـه ، ثم فى النهـايـة يتحـول إلى الأسـودِ القاتـم دليلًا على وصولـه لمرحلتـه النهائيـة.

هكـذا هـو الانسـان .. يبـدأ كطفـلٍ ساذجٍ برئ عديـم التجـارب لا يـدرك شيئـًا ممـا يحيـط بـه ، وتدريجيـًا يخسـر السذاجـةَ والبـراءةَ ليضـع قـدمـه فى طريـقِ النُضْـجِ الطويـلِ المليئ بالتجارب والعقبـات ، ثم يصـل إلـى قمـةِ تطـوّره العقـلى فى سـنى الشبـاب وبعـدهـا يبـدأ مشـوارَ الانحـدارِ الذى ينتهـى بالمـوت.

إنـه الواقـع ولا سبيـلَ لتغييـره ، ولكن الذكـى _ والذكـى فقـط _ هو الـذى يستطيـع إطـالة فتـرة احمـراره قـدر الامكـان.

نظـر إلى كوبـه مرةً أخـرى وعلى وجـه ابتسامـة هادئـة وهـو يخاطبـه ” جعلتَ منـى فيلسـوفـًا ! “.

ثم عـاد بنظـره إلى الشـارع لينظـرَ إلى النـاسِ بنظـرةٍ مختلفـةٍ هـذه المـرة .. كانـوا كـ أكواب شاى متحركـةٍ .. أكوابٍ باهتـةِ اللون وحمـراء وسـوداء.

12 تعليقات
  1. Mohamed Saad يقول

    ” جعلتَ منـى فيلسـوفـًا ! “ عجبتنى جدا الجمله دى 😀

    1. محمد شادى يقول

      😀 😀

  2. mohamed badr يقول

    انت زى العسل كلام جميل

    1. محمد شادى يقول

      ربنـا يخليك يا محمد 🙂

  3. معجزة احمد يقول

    جميله فعلا تسلم ايدك

    1. محمد شادى يقول

      شكـرا جزيلا يا فنـدم 🙂

  4. عبدالله سعيد باسعد يقول

    جميل جدا التشبية وانتقاء الكلمات والمفردات..استمرر اخي محمد

    1. محمد شادى يقول

      شكرا جزيـلا يا أستـاذ عبد الله 🙂

  5. رواء أحمد عبد العال يقول

    ثم يصـل إلـى قمـةِ تطـوّره العقـلى فى سـنى الشبـاب وبعـدهـا يبـدأ مشـوارَ الانحـدارِ الذى ينتهـى بالمـوت.
    جميل تسلم ايديك

    1. محمد شادى يقول

      شكرا جزيلا يا رواء 🙂

  6. جهاد بدر يقول

    you have just crossed the border between practice and profisionalism (y)

    bgd msa’a Allah 😀

    1. محمد شادى يقول

      دكتورة جهاد بذات نفسها يا ولاد 😀
      شهادتك دى شرف ليا ووسام اعلقه على صدرى والله يا فندم 😀

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .