سراجٌ مُنير – قصه قصيره – لـ شريف ربيع

9 1٬227

سراجٌ مُنير
أحمد .. أحمد .. أحماااااااااااااااااااااااااااااااااااد
لن أُطفِئكَ بعد اليوم..
لن أُطفِئكَ بعد اليوم..
لن أُطفِئكَ بعد اليوم..
يدخل الطبيب الكبير مفزوعًا مهرولًا .. الحقنة المهدئة .. جهاز الضغط .. قيسوا النبض .. ضعوا المحاليل …
ماذا به؟!
انهيار عصبي حاد.
ما الذي لن يطفئه؟!
مساعده: لا أعلم، منذ وصوله يَهذي بكلمات لا نفهمها، ولم يسأل عنه أحد، ولا نعلم عنه شيئًا؛ كأنه وحيدٌ في هذه الدنيا القاسية.
يهدأُ ويذهبُ في سبات عميق.
أحمااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااد
أطفئ هذا الجهاز اللعين وإلا جلدتكَ؛ أخوك يذاكر يا ابن الـ…
***
تعلو الضحكات والهتافات: الأهلي سيفوز .. نعم يا أبي سيفوز فكلامك صحيح دائمًا .. أحماااااااااااااااااد، تعالَ شاهد معنا هذه المباراة؛ شكرًا يا والدي ليس لي في كرة القدم .. غبي، لن تفلحَ ما حييتَ!
***
أبي، أود الاشتراك في النادي لممارسة “الكونج فو”، لا .. ولمَ يا أبي؟! لأنها ليست رياضة وإنما مجرد مشاكسات و”غباء × غباء”، يا أبي هي رياضة رائعة تنمي الروح قبل البدن، تنمي العقل، تنمي التأمل، تنمي السيطرة على النفس لا صنعَ المشكلاتِ كما تعتقد .. قلت لك: لا، يعني لا لا لا لا… أنا أدرى منكَ بمصلحتك!
***
سأدخل لأستريح قليلًا من عناء العمل.. طاااااااااااااااااااااااااااااخ آاااااااااااااااااااااااااااااه .. ماذا؟!
كسر درجي وضربني يا أبي بالعصا لأنه يريد أخذ زجاجة عطري، بل لقد سبني بالمرحومة والدتي بأقذع الألفاظ كما سمعتَ..
وماذا سيحدث لو أعطيته عطركَ؟!
لقد كسر الدرج من ورائي دون استئذان حتى، لو طلب لأعطيته؛ لكني وجدته مكسورًا والعطر معه، ولما عاتبته وقلت له: هذا ليس خلقًا حسنًا سبَّني وضربني!
أنت المخطئ وسيئ الخلق، وهو أخوك الكبير يفعل ويأخذ ما يحلو له! طااااااااااااااااااااااااااااااااااااخ
***
أبي، هذه دعوة لحضورك حفل تكريمي بأمسية شعرية.
“شعر إيه يا موكوس”؟!
***
يا ابن الـ … ألم تعلم أني لا أحب أبناء خالتك وأمهم؟! لماذا زرتهم اليوم يا ابن الـ…؟! وما ذنبي أنا، وما أخطئوا في حقك يومًا؟!
لو علمت أنك ذهبت إليهم أو تكلمت معهم بعد اليوم سأقتلك، كذلك ابن خالك هذا مدرس اللغة العربية الذي يذاكر لك، إياك أن تتعامل معه بعد اليوم!
يا أبتي، لم يخطئ في أي شيء أيضًا، وما أساء إليك يومًا، ليس ذنبي أن بينه وبين أقاربك بعض المشكلات، ولا أفهم النحو إلا منه لأنه بارع في مادته حقًّا، كما أنه صلة رحم لي لن أقطعها “فلا طاعة لمخلووووووق في معصية الخالق” .. طاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااخ آاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه، أنت عملي السيئ يا ابن الـ … الله يعاقبني بخِلفتك! لست ولدي!
***
ألو: أستاذ “نور”؟
نعم.
البقاء لله لقد توفي ولدكَ “ناجح”!
كيف؟!
صدمته سيارة وهو عائد من الجامعة.
آاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه .. مات ولدي .. مات شبيهي .. ضاع كل شيء، ولم يبقَ لي إلا هذا الغبي العنيد الذي لا يوافقني في أي شيء كأنه ليس ولدي ولستُ والده، بل هو نسخة من والدته وأخواله “لعنهم الله”!

***
أبي، أبي، لقد حصلت على 99% في الثانوية العامة!
مبروك.
الحمد لله تعالى سأحقق حلم حياتي وأدخل كلية “دار العلوم”؛ كي أكون أشعر شعراء مصر، بل الوطن العربي قاطبة!
لن تدخل إلا كلية “الطب” يا غبي، وإلا ما كنت أدخلتك القسم العلمي، ودفعت دمَ قلبي كي تحل محل أخيك “عليه رحمة الله!”، وتحقق حلمي “أنا” بأن أنادى بـ “أبو الدكتور”، وتكون لي مكانةً وسط زملائي وجيراني؛ كما أنها وظيفة مرموقة وعائدها المادي يفوق الخيال .. يا غبي، قل لي ماذا ستفعل بدار العلوم “بتاعتك دي”؟!
***
رسبت في “الطب” يا فاشل يا ابن الـ… طااااااااااااااااااااااااااااااااااااااخ آااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه ليست كليتي ولا أريد دراستها، وقلت لك يا أبي مرارًا وتكرارًا: هذه ليست رغبتي، لا أجد نفسي بها، لا أفهم فيها شيئًا، سأرسب مهما فعلت لأن في داخلي شيء غيرها تمامًا .. طااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااخ
***
أحمد .. أحمد .. أحماااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااد
أين أنت؟! وما الذي أتى بي إلى هنا؟! وماذا حدث لي كي أُحجز بالمشفى؟! وما كل هذه الخراطيم؟!
آاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه
سأضمك بين ذراعيَّ، سألعب معكَ، سأُضاحِكُكَ، سأُسابِقُكَ، لن أسيئَ معاملتك بعد اليوم، سأحقق رغباتك؛ ستدخل “دار العلوم” هذا العام، سأطلق شيطانَ الشعرِ بداخلك، سأحرِّره ولن أقيدَه بعدَ اليوم، سأطبع ديوانكَ .. لا، بل دواوينكَ…
سامحني … أنت المصيب، لا .. بل “الصواب”؛ وأنا المخطئ، لا .. بل “الخطأ” .. أنت المعلم، والمربي، والبار، والمهذب، و…
ظلمتك كثيرًا، وقسوت عليك كثيرًا؛ الحمد لله أنك لم تكن يومًا مثلي! رحم الله أمك!
لا تتركني كما تركني أخوك…
لن أترككَ، سآتي إليك بنفس الوسيلة!
آااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه
ما كل هذه الدماء؟! ما الذي حدث له؟!
لقد قطع شرايينه قطعًا جائرًا
الحقنة، المشارط، المحاليل…
توقف النبضُ .. فاضتُ الروحُ إلى بارئها!
ما هذه الورقة التي بجواره؟!
سامحك الله يا أبتاه!
أمتني وأحييتني ملايينَ المرات كلَّ حينٍ!
لقد كنتُ سراجًا منيرًا في بيتكَ، أطفأتني بيديكَ قبلَ أنْ أُوْقَدَ!
“ابنكَ أحمد”

9 تعليقات
  1. شريف ربيع يقول

    شكرا جزيلا أ/ محمد

    1. Mohamed Saad يقول

      الشكر لله ستاذ شريف واتمنى انى اكون عند حسن ظن حضرتك

  2. Taha Aly يقول

    رائعه جدا أستاذ شريف سلمت الانامل

    1. sharif rabie يقول

      شكرا جزيلا ا/ طه

  3. sharif rabie يقول

    شكرا جزيلا ا/طه

  4. Mohamed Abdelhafeez يقول

    معبرة ، ماشاء الله

    1. شريف ربيع يقول

      الله يكرمك يا حبيبي

  5. جابر بكر يقول

    رائعه جدا يا استاذ شريف خااااالص تحيااااااااااااااااااتي

    1. شريف ربيع يقول

      الله يكرمك يا أ/ جابر .. انا تلميذكم جميعا

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .