سراب – قصة قصيرة – لـ شريف ربيع

14 374

سراب – قصة قصيرة – لـ شريف ربيع

جلسَ في شُرفته يحتسي فنجانَ القهوةِ التركيَّة التي يعشقها عشقًا لا فِكاك منه، وكلما رشفَ منه رشفةً داعبته الذكرياتُ الحانيةُ العطرةُ، وامتزجت عيناه بدموعِ الفرحةِ والحزنِ في آنٍ واحدٍ، ذكرياتٌ وُلدت معه .. لا .. بل خُلقت معه خلقًا، بل هي جزء منه حقًّا ..

رجع بظهره للخلف، وأسند رأسه إلى الحائط، ثم تنهَّد تنهيدةً عميقةً علَّه يُخرج معها بعضَ ما يَعْتَلُجُ في صدره من ضيقٍ وألمٍ، أخذ يراقب المارة كأنه يبحث عن أحدهم كي يبثَّه همومَه وأحزانَه؛ عَلَّه يجد من يضارعه، أو يواسيه، أو يناصحه..

عاد بذاكرته للوراء، حيث فتح عينيه على الحياة فوجد سَمِيَّ رُوحه، صِنْوَ فؤاده، إنسانَ عينيه .. حيث يتضاحكان ويلعبان ويمرحان سويًّا .. كانا كأي طفلين في نظر المحيطين بهما، لكن بالنسبة لهما لم يكونا طفلين أبدًا؛ بل كانا حبيبَين، عاشقَين، رُوحين امتزجت في جسدٍ واحدٍ، يتكلمان بلسانٍ واحدٍ، يسري في عروقهما دمٌ واحدٌ، ينبضان بقلبٍ واحدٍ …

تذكر يوم العيد حينما خرجا يلعبان مع بعضهما البعض كبيقة الصبية آنذاك، وظلَّا يلعبان منذ صبيحته حتى نهايته، ثم اشترى لها هدية بسيطة “كاميرا مياه”؛ طارت بها فرحًا وعادت مسرعة إلى والدتها وهي تقفز وترقص وتقول لها : «عمر اشترى لي هذه الكاميرا»؛ شكرته والدتها وحضنته وقبلته “فهي خالته أيضًا” .. ثم يضحك مقهقهًا بصوت عالٍ فقد تذكر يومًا لا ولن يُنسى أبدًا؛ يومَ ذهبت العائلتان إلى الريف “موطنهما الأصلي” في أجازة الصيف، وخرجا يلعبان معًا ويعدوان وسط الحقول الخضراء، لكنها توقفت فجأةً وأخذت تصرخ وتصرخ؛ التفت إليها فوجدها قد غُرست في الوَحَلِ؛ فما تمالك نفسه من الضحك والقهقهة لأنها كانت رائعة الجمال، خفيفة الظل جدًّا حينما تغضب وتصرخ، كأنه كان ينتظر غضبها كي يشبع عينيه منها في غضبها ورضاها .. لكن سرعان ما أفاق على صرخاتها : «إنت هتقف تتفرج عليَّ كدة كتير؟!»؛ فذهب إليها مسرعًا وحملها ووضعها برفق فوق حوضِ طلمبةِ كانت تُسقى بها الأراضي آنئذٍ، وبدأ في غسل يديها ورجليها ووجهها وهو يضحك ولا يتمالك نفسه من الضحك عليها وعلى رد فعلها، كما أن سعادته لا توصف فقد لامَسَ حبيبته “رغم أنه كان طفلًا حينذاك”.

مرت الليالي والأيام وهما يكبران وحبهما يكبرُ معهما، وبدأت العادات والتقاليد والأعراف تفرق بينهما رويدًا رويدًا، وكان صاحبنا ينتظر كلَّ مناسبة عائلية ويعدُّ الليالي والأيام، بل الساعات والدقائق والثواني؛ كي يلتقي حبيبته، ويمتع عينيه بالنظر إليها؛ وإذا ما ابتسمت ليه يومًا ولو من على بعدٍ تراقص فؤادُه طربًا وطار فرحًا كأنه طيرٌ محلِّقٌ في الأعالي يناطحُ الجوزاءَ، وأخذ قلبه يغرد في أعماقه قائلًا: «لقد ابتسمت لي الحياةُ».

بدأ عمر مرحلته الثانوية، وما زالت حبيبته في الإعدادية، وتمر الأيام ويدخل عمر الجامعة، كذلك حبيبته؛ ويكبرُ عمر ويتعلم ويفهم أن دينَه يمنعه مما سبق، وأنه لا طريق أمامه إلا الزواج منها زواجًا شرعيًّا؛ لكنَّ حبَّه يزداد وتستعرُّ نارُه في صدره يومًا بعد يومٍ، وكان هناك عائقٌ كبيرٌ أمامه؛ فرغم أنهما من عائلة واحدة، إلا أنها أغنى منه مالًا، لكنه كان يُقنع نفسه دومًا بأنها تبادله نفس الشعور .. ظل الأمر قاصرًا على مجرد تبادل النظرات في المناسبات الاجتماعية العائلية.

تنتشر التكنولوجيا الحديثة في ربوع البلاد، ويظهر عالم الإنترنت في كل مكان، ويضيفها لصفحته على “الفيس بوك” كأي صديقة؛ ثم يعلم بمرضها مرضًا شديدًا حُجزت بسببه في المشفى؛ يجنُّ جنونه ويظل يدعو الله لها بالشفاء ويتردد ما بين زيارتها أو مهاتفتها، لكنه يحسم الأمر بالزيارة؛ فقد خرجت نفسه عن السيطرة وما استطاع لها حملًا .. لحسن حظه أنه علم متأخرًا قليلًا، وكانت حالتها قد تحسنت بعضَ الشيء، ولما زارها بدا عليها أثر المرض قليلًا؛ ولو رآها وهي في أَوْجِ مرضها لمرض لمرضها، بل ربما توفي حزنًا عليها لشدة وَجْدِهِ وتعلُّقِه بها .. سُرَّت بزيارته وقابلته مقابلة رائعة، ظل يتابع أخبارها بالسؤال عليها، حتى أنها أجابته ذات يوم على الإنترنت قائلة : «اطمئن فقد تحسنت تمامًا والحمد لله وعدت للعمل»، سجد سَجْدَتَي شكرٍ للمولى عزَّ وجلَّ على تمام شفاء رُوْحِهِ وثمرةِ فؤادِهِ.

انقطعت الاتصالات وعلم بعدها بمشروع خِطْبَةٍ لها؛ وقع عليه الخبر كالصاعقة وما تمالك نفسه .. سأل نفسه: أبعدَ كل هذا الحب تبيعني بثمنٍ بخسٍ؟! هل كانت تحبني حقًّا، أم كانت تلعب وتتسلَّى بي؟! ظل طريحَ الفراشِ فترة حتى تعافى وعاد إلى رشده وسلَّم أمرَه لخالقه .. ثم ما لبثت الخِطبة أن فشلت .. تمرُّ الأيام وتجمعهم المناسبات وتحاولُ إحياءَ الحنينِ في صدره بشتى الطرق؛ حتى تمَّ لها ما أرادتْ .. ثم ما لبثَ أن أصيبَ بورمٍ حميدٍ في المخ دخل إثره المستشفى لإجراء جراحة عاجلة، وكانت تعلم ذلك يقينًا .. انتهت الجراحة على خير ونجاح منقطع النظير بفضل الله وحده، لكن ما حزَّ في صدره أنها لم تزره، ولم تسأل عليه، ولم تتصل به ولو مجرد “رنة”!

** هنا يتوقف قطار الذكريات، ويستفيق عمر ويخاطب نفسَه قائلًا: مضى شهرٌ منذ جراحتى، ألا أستحقُّ منها ولو مكالمة حتى؟! أو رسالة؟! ثم يقطع الشكَّ باليقينِ ويُراسلها كي يعلم عذرها؛ فقال لها: يعلم الله مدى حزني وعميقَ جراحي، ألا أستحق منك رسالة واحدة؟! فأجابته .. (وليتها ما أجابت): «ما إنت كويس أهوه»!

إجابةٌ جافَّةٌ حادَّةٌ ما توقعها أبدًا؛ قتلته وهو حيٌّ .. حمدَ الله تعالى على كلِّ حالٍ، وناداه قلبه من أعماقِ أعماقِهِ قائلًا: «لقد حفرتْ فيَّ مَجْرَى من الفرحِ والحزنِ الشَّجِيِّ في آنٍ واحدٍ» .. (حزن) على ما مضى، على حبٍّ زائل حُكم عليه بالإعدام قبل أن يُوْجَدَ .. و(فرحٌ) لأني علمتُ حقيقةَ أمري؛ فقد كنتُ أعدو خلفَ سرااااااااااااااااااااااب!

ألقى عن كاهِلِهِ كلَّ ما كان، ومضى في سبيله…

العجيبُ أنها ما زالت تنتظره، وتعتقد أنه سيعود إليها يومًا!

14 تعليقات
  1. معجزة احمد يقول

    رائعه يا اشتاذ شريف 🙂

    1. شريف ربيع يقول

      شكرا جزيلا يا معجزة القلم الحر، ومصر، وسوريا، والعالم العربي إن شاء الله

      1. أحمد الجزار يقول

        كنت تصبر شوية ميمكن تكون عندها غسيل يوميها او مسيح ومتنكد عليها . اظنك استعجلت . شوية يا عم الحاج بس ميمنعشى ان 95% من القصة رومانسية جميله جدا تخبرنا بميلاد كاتب رائع فى الرومانسية

        1. شريف ربيع يقول

          ههههههههههههههههههههههه جميل جدا خفة دمك يا ا/احمد☺☺☺ ربنا يكرمك دنيا وآخرة

  2. رواء أحمد عبد العال يقول

    اسلوب اكثر من رائع استاذ شريف ، بجد ارفعلك القبعه ، دمت مبدعا .

    1. شريف ربيع يقول

      أ/ رواء، الف الف شكر ☺ بعض ما عندكم☺ بس هاتي القبعة ليا بلاش ترفعيها☺

  3. سحر النحاس يقول

    انا اول مره اقرأ لك قصه قصيرة استاذ شريف تسلم ايدك بالتوفيق دائما

    1. شريف ربيع يقول

      أ/سحر، ده اكبر شرف ليا طبعا انك تفضي نفسك وتقرئي كلامي

  4. Mohamed Saad يقول

    قصه من قرائتها تشعر وانك تعيش فى اجواءها
    دمت مبدعا أ/ شريف

    1. شريف ربيع يقول

      الله يكرمك أ/محمد ده بس من زوقك ☺

  5. Ahmed Elhady يقول

    اكثر من رائعه وبالتوفيق ان شاء الله يا استاذ شريف

    1. شريف ربيع يقول

      شكرا يا أحمد ربنا يكرمك دنيا وآخرة

  6. Mohamed Abdelhafeez يقول

    ما شاء الله ربنا يزيدك ابداع يا د/شريف

    1. شريف ربيع يقول

      اللهم آمين وإياكم× وربنا يكرمك..

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .