الدَّعِيُّ – قصة قصيرة – لـ شريف ربيع

12 1٬235

الدَّعِيُّ – قصة قصيرة – شريف ربيع 

قامتْ فجرًا كعادتها، أيقظت والديها، ثم توضأت وصلت فرضَها .. أعدت الإفطار بتوابلها ولمستها المفضلة، لم يخلُ المجلس من مداعباتها اللطيفة لوالديها المتفرغَين حاليًا بعد إحالتهما للمعاش.

–         الوالد: سيزورنا اليومَ أهلُ العريسِ الذي حدثتك عنه، وسيأتي ابنهم معهم لرؤيتك كما أخبرتك؛ أنا أذكِّرك فقط؛ رجاء لا تتأخري في عملك.

–         سميرة: كما تشاء يا والدي الحبيب الغالي، منذ متى وأنا أتاخر؟! أترككما تكملان قصائدكما الغرامية سويًّا!

دخلت حجرتها وارتدت ملابسها، أعدَّت دفاترَها وأوراقَها، صافحت وقبلت والديها وودَّعتهما، ثم استقلت الميكروباص متجهة إلى الشركة التي تعمل محاسبةً بها.

حضر العريس وأهله، تبادلت الأسرتان الترحاب والكلمات الراقية، جلست على كرسيّ أمام الخاطب في ركن من الصالة، والجميع ينظرون إليهما ويتمنون أن يوفق الله بينهما؛ كان حديثهما مفعمًا بالود والتفاهم والإعجاب .. انتهت الزيارة على أحسن حالٍ، غادر العريس وأسرته في غاية الفرح والسرور.

مرَّ يومان أو ثلاثة، اتصل والد العريس: آسف جدًّا نشرُف بكم لكن ليس لنا نصيبٌ معًا؛ تجرَّع الوالدُ الألمَ بصبرٍ وثباتٍ، لكن كان بحلقه غُصَّةٌ؛ لا لأن ابنته فاتها الكثيرُ بفقدان هذا الرجل، أو لأنها كبرت وطعنت في السن؛ فهي صغيرة لم تتجاوز الخامسة والعشرين بعد .. لكن لأن الأمر تكرر ثلاث مرات قبل ذلك بنفس الطريقة مع ثلاثة عِرسان مختلفين! بعد الموافقة ولا يبقى إلا تحديد موعد الخطوبة، يتصل والد العريس أو أي فرد كبير من عائلته ويعتذر! أمرٌ عجيبٌ جدًّا!

دخلت سميرة حجرتها وصلت ركعتين لله، لكنها بشرٌ ..  غلبتها دموعها متسائلة في تعجب: ما العيب فيَّ كي أُرفض بهذه الطريقة؟! ليتهم لم يأتوا أصلًا! ما الذي يحدث بعدما يغادرون البيت؟!

جلس أحمد في بيته حزينًا غيرَ مصدِّق أنه جعل والده يتصل ويقول هذا الكلام لوالد “حبِّ عُمْرِهِ”، تمنى أن يكون كابوسًا مزعجًا سرعان ما يُفِيْقُ منه ليجد نفسه يُزَفُّ إلى روحه التي تسري بين جنبيه!

–         وفيّ: يا أحمد، لقد تربينا سويًّا منذ الصغر؛ حتى صرنا أكثر من الأخوين والصديقين، بل أصبحنا خليلين، وتعلمُ يقينًا أني أعرف مدى حبك لسميرة .. أنسيتَ ما كنتَ تبثُّنِيْهِ من لوعةِ وجدكَ، وشدَّة حبُّك، وأقسى ما تعانيه من قربِ حبيبتك ولا تستطيع الوصول إليها؟!

عجيبٌ أمرك جدًّا! أما تذكر اختباءك لها مرات ومرات كي تراها فقط؟! مجرد رؤيا من بعيد فقط تشفي قلبك العليل!

أنسيت دعاءك للمولى عز وجلَّ أن يجعلها من نصيبك؟! أما كنتَ تتمنى حتى ولو كلمة منها، أو إشارة؟!

لِمَ اتصل والدك ورفض الأمر بعدما كان سعيدًا لسعادتك؟!

أهذه فتاةٌ تُرفض؟! والله الذي لا إله غيره .. لولا علمي بحبِّك لها لتقدمتُ لخِطْبَتها، شباب الحي كلهم يتمنونها زوجةً .. وهل نجد أحسن وأفضل منها؟!

بربِّكَ أخبرني ما الذي حدث؟!

–         أحمد: أنت تعلم يا “وفيّ” الشيخ “فَخْر” و…

–         وفيّ: انتظر .. ماذا قال لك هذا الكذَّاب الأَشِرْ؟!

–         أحمد: لا تقل على فضيلة الشيخ “فَخْر” هكذا؛ فلحوم العلماء مسمومة، والله لا نبكي من خُطبةِ أحدٍ سواه، بل لا أكذب إذا قلتُ لك: إننا نشعر كأن النار أمام وجوهنا حينما يتكلم عنها، والجنة ليس بيننا وبينها إلا الانتهاء من خطبته! أنا لا أسمع سواه .. فبالله عليك لِمَ تكرهه لهذا الحدّ؟!

–         وفيّ: ما الذي قاله لك بخصوص “سميرة”؟!

 –         أحمد: أخبرني إنها تُعالج عنده من مسٍّ شيطاني؛ حيث إنها تُصرع كل حين، وتتكلم بلسان أشخاص آخرين، وتهبُّ مفزوعة من نومها ليلًا وتظل تصرخ وتصرخ، ولا يستطيع أحد الاقتراب منها سواه، و…

–         وفيّ: لا تكمل أرجوووووك؛ عليه من الله ما يستحق! ليس بيني وبينه أي عداء، لكني لا أَشْرُفُ بذكره، ولا بسيره في جنازتي حتى! هذا أفَّاك دجَّال، صاحب أخسِّ نفسٍ عرفتها على الإطلاق؛ له تعامل مع شياطين العالم الآخر، ولا يتحرك إلا بصحبتهم، بل لقد تفوَّق عليهم، بل هو الشيطان نفسه .. هذا المريض يدَّعي زورًا وبهتانًا أنه يعلم ما يصيبُ المرضى بمجرد النظر إليهم وهم يسيرون في الطرقات، دون كشفٍ أو فحصٍ! كما يدَّعي أن معظم المحيطين به أصابهم مسُّ الشياطين، ويوهمهم بذلك أيضًا؛ كي يسيطر على عقولهم؛ حتى يتَّبعوه في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ .. بل ربما سلَّط هو الشياطينَ على من يريد إخضاعَه له؛ حتى يُشبع ذاته العليلة المريضة الدنيئة بأنه ذو قيمةٍ .. مسموعُ الكلامِ .. مُهابُ الجانبِ .. مَرُوْمٌ من الخلقِ كافةً!

 وحقُّ من قال: “أنا الله”! هذا الخَرَّاص مكانه الصحيح في المَصَحَّات لا المساجد والمنابر .. وربما كان له غرضٌ فيها!

–         أحمد: أخرج من بيتي ولا تعد له مرة أخرى، وأنت لستَ صديقي ولا أعرفك من الآن .. الشيخ “فَخْر” أطهرُ وأشرفُ من ذلك!

–         وفيّ: أنا أعلم عنه ما لا تعلمون .. لا تصدِّقوا هذا الدَّعِيِّ الكذَّاب!

 ذات يوم عاد “أحمد” متأخرًا قليلًا من عمله، بينما يسير في طريقه مارًّا ببيت الشيخ “فَخْر” سمع الزغاريد الكثيرة المتصاعدة من بيته؛ سأل عن سبب ذلك؛ فأُخْبِرَ أنَّ الشيخ “فَخْر” خطبَ “سميرة”!

12 تعليقات
  1. ابتسام أبوسعدة يقول

    قصة جميلة ومشوقة وواقعية جداااا .. التنقل بين الأحداث جميل جدا ..أجدت وأحسنت

    1. sharif rabie يقول

      شكرا أستاذة ابتسام، ده من ذوقك بس

      1. Mohamed Abdelhafeez يقول

        ما شاء الله رائعة ، ربنا يحفظك

        1. sharif rabie يقول

          الله يكرمك يا أ/محمد

  2. اسامه كمال يقول

    قصصك جميله جدا يا استاذ شريف

    1. شريف ربيع يقول

      ربنا يكرمك ويوفقك لكل خير

  3. ناهد محمد صبري يقول

    جميييييييييلة استاذنا دمت مبدعا

    1. شريف ربيع يقول

      شكرا يا أ/ناهد .. ده أنا تلميذكم جميعا

  4. حسام عماد يقول

    مؤثرة جدا وواقعية جدا جدا.. دمت رائعا أستاذ شريف

    1. شريف ربيع يقول

      الله يخليك يا مبدع☺ منتظرينك

  5. رواء أحمد عبد العال يقول

    جميلة جدا جدا جدا وواقعية للأسف ، سلمت يداك

    1. شريف ربيع يقول

      الله يكرمك يا أستاذة رواء

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .